قائد، وكل أب، وكل زوج، وكل صديق، وكل مربي، وكل سياسي، وكل رئيس دولة، يروي لنا العباس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَجَعَلَنِيْ مِنْ خَيْرِهِمْ، مِنْ خَيْرِ فِرَقِهِمْ، وَخَيْرِ الْفَرِيْقَيْنِ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ، فَجَعَلَنِيْ مِنْ خَيْرِ قَبِيْلَةٍ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْبُيُوْتَ، فَجَعَلَنِيْ مِنْ خَيْرِ بُيُوْتِهِمْ، وَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا، وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا» (1) . فهو القدوة بين الناس نسبا، وكان خلقه القرآن، فكان القدوة بين الناس خلقا.
كان - صلى الله عليه وسلم - العابد المتحنث، ورجل السياسة الذي شيد أمة من الفئات المتناثر، ورجل حرب يضع الخطوط ويقود الجيوش، وأب حنون عطوف، وزوج تحققت فيه المودة والرحمة والسكن، وصديق رحيم، وقريب كريم، وجار تشغله هموم جيرانه، وحاكم تملأ نفسه مشاهر محكوميه؛ يعودهم، ويزودهم، ويعينهم، ويمنحهم من مودته وعطفه ما يجعلهم يفتدونه بأنفسهم، ومع هذا كله، فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها الأرض، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل، وتغلغلت في كيانه كله، ورأى الناس الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - تتمثل فيه هذه الصفات السابقة كلها، فصدقوا هذه المبادئ الحية، لأنهم يرونه رأي العين، لا يقرءونها في كتاب فحسب، بل يرونها في بشر، فتتحرك لها نفوسهم، وتهفو لها مشاعرهم، ويحاولون أن يقتبسوا قبسات من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كلٌّ بقدر ما يطيق، فكان - صلى الله عليه وسلم - أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل، وكان مربيا وهاديا بسلوكه الشخصي قبل أن يكون بالكلم الطيب الذي ينطق به، سواء في ذلك القرآن المنزل أو حديثه - صلى الله عليه وسلم -، وهذه القدوة باقية ما بقيت السماوات والأرض.
إن الإسلام يعرض هذه القدوة ليس للإعجاب السالب، ولا التأمل التجريدي في سبحات الخيال، إنه يعرضها عليهم ليحققوها في ذوات أنفسهم، كل بقدر ما يستطيع؛ لأن الإسلام يرى أن القدوة أعظم وسائل التربية، فيقيم تربيته الدائمة على هذا الأساس (2) .
فلا بد للطفل من قدوة في أسرته ووالديه لكي يتشرب منذ طفولته المبادئ الإسلامية، وينهج على نهجها الرفيع، لا بد للناس من قدوة في مجتمعهم يطبعهم بطابع الإسلام وتقاليده النظيفة لكي يحملوا أمانة لمن يرونهم من الأجيال، ولا بد للمجتمع من قدوة في قواده، وزعمائه، وحكامه، تتحقق في أشخاصهم المبادئ، وينسج على منوالهم المحكومون.
فما قيمة دعوة مترف إلى التقشف، وماذا تجدي دعوة ظالم لإنصاف المظلومين، بل
(1) رواه الترمذي بسند صحيح.
(2) منهج التربية الإسلامية للأستاذ محمد قطب، فصل التربية بالقدوة، 221 بتصرف.