فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 244

والذي لا يستشعر رحمة الرحمن وهو يدعو لدين الله فهو كهذا الأعرابي الذي دعاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مرضه، فوجده يتلوّى من شدة الحمى، فقال له مواسيا مشجعا ومذكّرا برحمة الله: «طَهُوْرٌ» ، فقال الأعرابي: بل هي حمّى تفور، على شيخ كبير لتورده القبور، فقال له - صلى الله عليه وسلم: «فَهِيَ إِذَنْ» أي هي إذن كما أحسست، فأنت ومشاعرك.

وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال للأشجع - رضي الله عنه - رئيس قبيلة عبد قيس: «إِنَّ فِيْكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: اَلْحِلْمُ، وَالْأُنَاةُ» (1) ، فحلم الحليم حصانة له ضد الافتتان يعصمه من الغضب والانتصار للنفس. وحلم الحليم لون من ألوان الرحمة بالناس؛ ذلك لأن الشر لا يداوى بالشر، ومع ذلك، فكم نحاول في حياتنا الدنيا أن نداوي الشر بمثله، فنقابل الغاضب بمزيد من الغضب، والمبغض بمزيد من البغض، فكأنما نحن نلقي على النار مزيدا من النار، مع أن النار لا تطفأ بالنار، وإنما بالماء. كذلك الشر لا يعالج إلا بالحكمة، بالحب والخير، إن الله - سبحانه وتعالى - يقول: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] . إن هذا الأسلوب القرآني والقانون الرباني، ليس ظاهريا، ولكنه يجتثُّ العداوات من الأصل، ذلك أن العداوة القليلة تزيد مع العداوة القليلة حتى تشغل أوقاتنا، وتسمم حياتنا، وتصرف طاقاتنا عما يجب من عبادة خالصة صافية، وعمل منتج وتنزع من رؤوسنا وقلوبنا راحة البال، أما مقابلة العداوة بالمودّة والحكمة، فإنه ينهيها تماما كما تطفئ النار بالماء (2) .

هذا قانون الله، فهل يماري فيه مؤمن؟ إن نظريات الفلاسفة وعلماء الاجتماع تدرس وتخدم وتصير أشبه بالحقائق خاصة في الدراسات التي سموها إنسانية من علم النفس إلى علم الاجتماع، وحتى أصبح عندما معاهد للخدمة الاجتماعية يدرس فيها كل غثّ وسمين (3) إلا آداب الإسلام وقواعده وأصوله في العلاقات بين الناس بعضهم وبعض، فليت الدعاة إلى الله يرجعون ويثوبون إلى قوانين الله التي لا تحتمل الشك، بل تحتمل في طياتها اليقين، لأن منزل القرآن هو خالق الإنسان: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

ومن الرحمة: القول الحسن

الله الله على القرآن حين يقول لنا: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] ، نعم للناس، كل الناس، أبيضهم وأسودهم، غنيّهم وفقيرهم، عالمهم وجاهلهم، بدويهم ومدنيهم، مسلمهم وكافرهم، كل الناس، والقول الحسن من قواعد الإسلام وتكاليفه بعد قاعدة التوحيد

(1) العوائق، لمحمد أحمد الراشد، ص 23.

(2) من مجلة الدعوة السعودية، العدد 96، عام 1405 هـ.

(3) الغث: اللحم المهزول، والسمين: ضد المهزول. راجع: مختار الصحاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت