فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فلما انصرفوا، قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ يَكْرَهُ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» ، فقالت: يا رسول الله، أَمَا سمعتَ ما قالوا؟ فقال لها: «أَمَا سَمِعْتِ مَا قُلْتُ لَهُمْ؟! إِنِّيْ قُلْتُ لَهُمْ: وَعَلَيْكُمْ، فَيَسْتَجِيْبُ اللهُ لِيْ فِيْهِمْ وَلَا يَسْتَجِيْبُ لَهُمْ فِيَّ» (1) .
أيّ أخلاق عالية، وأي قمّة سامقة؟! .. إن الله يكره الفحش والتفحش في موقف تدافع فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وربّنا يقول: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] ، لكن أصحاب الدعواتت يعلمون: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] ، فلا بد للداعي أن يأخذ بالعزائم، ويترفق بالناس ولو رموه بالحجر. ورضوان الله على شهيد الإسلام حسن البنا حين قال:"كونوا كالشجر يرمي بالحجر فيلقي بالثمر، يرمونك بالتهكم، والسخرية، والاستهزاء، والتنكيل، والإخراج وأنت ترميهم بالرفق واللين والصبر عل الإيذاء، لأن الله يحب الرفق في الأمر كله".
فلا تصادم الفطر بقوتك وخشونة لفظك، وتخير طيب الكلام ولا تظن أن في ذلك مداهنة أو نفاقا أو تعطيلا للشرع، بل هي مراعاة النفسيات كما نراعي المصالح والمقاصد.
واسمع إلى ما يرويه البخاري عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - أن رجلا استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أَنِ ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو الْعَشِيْرَةِ» ، فلمّا دخل، أَلَانَ لَه الكلام، فقلت: يا رسول الله، قلتَ ما قلتَ، ثم ألنت له في القول، فقال - عليه الصلاة والسلام: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اِتِّقَاءَ فُحْشِهِ» كما روى البخاري أن أبا الدرداء كان يقول:"إِنَّا لَنَكْشِرُ (نَبْتَسِمُ) فِيْ وُجُوْهِ قَوْمٍ، وَإِنَّ قُلُوْبُنَا لَتَلْعَنُهُمْ".
هذا ما تعلّمه السلف الصالح من رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وكان قدوتهم في الدعوة فهمًا وحركة، فهم علماء في فهمهم، وهم رحماء في دعوتهم، سمعوا من رسولهم - صلى الله عليه وسلم - قوله: «إِنَّ اللهَ رَفِيْقُ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِيْ عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِيْ عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لاَ يُعْطِيْ عَلَى مَا سِوَاهُ» (2) فعملوا بذلك.
لكننا في زماننا هذا نرى عجبا من بعض الشباب، نراه قبل أن يلتزم بإسلامه هاشًّا باشًّا، بارًّا بوالديه، عطوفا على أهله، يحبّ أخاه وأخته، ويصل رحمه، ويرحم جاره، ويخفض الجناح لمن حوله، فلما أنعم الله عليه بنعمة الإسلام إذا به يفهمه بهواه، فتراه
(1) صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني (2/ 338) سورة المجادلة.
(2) رواه مسلم.