و {جَاءَنَا} ، لأنه كان يظهر لهم أنه منهم، وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه (1) أيّ ذكاء هذا يتحلّى به هذا الداعي إلى الله، وأيّ بصيرة وحكمة رزقها، ليت الشباب يتدبر ويفقه الأسلوب الأمثل للدعوة، إنها ليست استعراضا للقوة، ولا تطاولا على أحد، ولكن مسلك الحكمة الذي يوصلنا للغاية التي تنجي، فليست انتصارا لرأي بقدر ما هي إحقاق حق، وإظهار حجة وبيّنة، وتكرار موعظة حسنة، وإشعار بالحرص الشديد على من ندعوهم.
فأنت ترى هذا الرجل المؤمن الذي كتم إيمانه لا يملّ من تكرار الموعظة والمحاولة مع سفه وتكبر فرعون، اسمع إليه وهو يقول لقومه: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ. يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} [غافر: 38 - 39] إلى أن يقول: {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ. لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 41 - 44] .
ماذا يبقى بعد هذا البيان الواضح الشامل للحقائق الرئيسية في العقيدة؟ إنه أخيرا كشف عن نفسه كموقف إشهاد، ولكن بأسلوب حكيم، وثبات كريم، ولا يبقى بعد ذلك إلا أن يفوض أمره إلى الله ليقيه سيئات ما مكروا، وقد وقاه: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر: 45] .
هل نظرت إلى هذا المؤمن من آل فرعون كيف يخاطب فرعون ومن معه؟ إنه يشعرهم بأنهم قومه، وأنه واحد منهم، يهمّه أمرهم، ويعنيه أن يبقى لهم ملكهم، ويدوم لهم مجدهم: {يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} [غافر: 29] ، فبعد أن طمأنهم على ملكهم ليجد آذانا تسمعه، بدأ يخوّفهم مما أصاب الأمم من قبلهم حين أعرضوا عن دعوة الله تعالى وطاعة رسوله: {يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 30 - 31] . هذا ما يخافه عليهم في الدنيا، ثم انتقل إلى تخويفهم من عذاب الآخرة: {وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر: 32 - 33] .
ويستمر المؤمن المخلص في دعوة قومه بهذا الأسلوب الذي ينبغي لأصحاب الدعوات أن يتبعوه في دعوتهم للمعاندين ومخاطبتهم للمخالفين، مع التركيز على تأليف القلوب.
فلا حرج على إنكار الدعاة الوعاة على بعض الشباب المخلصين الطريقة التي يتعاملون
(1) صفوة التفاسير (3/ 101) سورة غافر.