وبالرغم من أن الداعيى يُشعر المدعو بأنه رجل مبدأ يعيش له، ويعمل من أجله، لا يبغي له إلا الخير، فإنه لا يمتنّ بشيء عليه، ولا يرى له فضلا في دعوته، وإنما يعتقد قول الله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] . وبذلك يشعر المدعو أنك رجل مبدأ وقيمة، ليس مبدأ، مخدرا نائما في النفوس، ولكنه إيمان مشتعل قوي في نفوس المؤمنين الذين: {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .
قلنا إن الدعوة إلى الله هي رحمة للعالمين، تصبغ دعاتها بصبغتها، ويشعر صاحبها بأن ما عند الناس ينفد، وما عند الله باقٍ، بعكس الدعوات الوضعية التي لا تقوم إلا على المصلحة الشخصية في هذه الحياة الدنيا.
والداعي إلى الله بيقينه الذي يعيش به يستشعر عرش ربه بارزا أمامه، والصراط تحت قدمه، وأهل الجنة عن يمينه، وأهل النار عن شماله، فيشفق على الناس، ويرغب في يقظتهم، وينادي الناس: هلموا إلى جنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين، فيها ما لا عيرن رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهو يحب لهم هذه الجنة، ويخشى عليهم من عذاب يوم أليم.
ألم تر ما قاله كل رسول ونبي لقومه: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59] ، [الشعراء: 135] ، فهو الأخ الخائف عليهم: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65] ، [هود: 50] ، والأخ دائما يشفق على إخوته من عذاب يوم عظيم، حريص على نجاتهم، فرح بهدايتهم، لأنه أخوهم، وهو واحد منهم، فكيف لا يخشى عليهم في يومهم وغدّهم؟
ويا له من حرص واضح يبرزه القرآن ليؤكد لأصحاب الدعوات في هذه الآيات البيّنات: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ. وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ. إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 20 - 27] .
فهذا رجل سمع الدعوة واستجاب لها بعد ما رأى فيها دلائل الحق والمنطق ما يتحدّث