فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 244

خامسا: التيسير لا التعسير - والتبسيط لا التعقيد

على الداعي الصادق أن ينظر إلى المدعو بروح الناصح الشفيق، المتواضع السمح، الرحيم به، الذي يتمنى الخير له، لا نظرة المتعالم الذي يشعر من يخاطبه بأنه أعلم مَن في الأرض إذا تكلم فليسكت الناس، وإذا أمر فليطيعوا.

إن نبي الله موسى - عليه السلام - كما ورد في الصحيحين عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ» ، فكانت قصته مع الخضر - عليه السلام - (1) .

والذي اتضح منها العلم الذي آتاه الله للخضر - عليه السلام - والذي صعب على موسى - عليه السلام - فهمه وإدراكه.

ومن هنا يجب على الداعي أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، فييسر لهم ما صعب عليهم، ويشرح لهم ما غمّ عليهم، ولا يظهر بمظهر العالم الجهبذ، ليقول الناس: إنه عالم، فيحيط عمله، بل ييسر على الناس، ومن التيسير: الابتعاد عن التفاصح، والتنطع في الكلام، والتشدق بالحديث، وهذا أمر مرغوب فيه ومطلوب.

واسمع إلى ما رواه الترمذي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ، وَأَبْعَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اَلثَّرْثَارُوْنَ َوالْمُتِشَدِّقُوْنَ (2) ، وَالْمُتَفَيْهِقُوْنَ» (3) .

فليحذر الداعي من مزالق الشيطان، ودبيب الرياء، وتزيين النفس الأمارة حتى لا يحبط عمله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .

وأهم ما يراعيه الداعي ليجذب السامع إليه، وهو يتحدث معه بيسر، أن يربط موضوعه الذي يتحدث فيه بالواقع الذي يعيشه المدعو مع ضرب الأمثال التي يعرفها، وتنوع الأساليب التي تثير الانتباه، واستخدام المقابلة بين الأضداد، فإذا تحدث عن الصدق يقارن بينه وبين الكذب، وبين سلوك رجلين أحدهما كاذب لا يقول الحق، وآخر صادق لا يعرف الكذب، فيدرك السامع الفرق بين الحسن والقبيح، فيتيسر له الفهم.

وأيضا من الأمور التي تيسر للمدعو الفهم، بل وتبين القدر الذي فهمه أن يشركه الداعي في الحديث ليعرف دخيلته، ويطلع على أفكاره، فيعطيه ما يتناسب مع فهمه، وما

(1) قصة موسى والخضر، صفوة التفاسير (2/ 202) ، محمد علي الصابوني.

(2) المتشدق: المتطاول على الناس بكلامه والمتكلم بملء فيه تفاصحا.

(3) المتفيهق: الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه تكبرا وإظهارا لنفسه على غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت