إن الخطة القرآنية في تغيير واقع الجاهلية الأولى كانت تعتمد على المنهج المتدرج كعنصر أساسي في خطة التغيير، وما أحوجنا لهذه الخطة في وقتنا وظرفنا الراهن، وذلك لأن الحياة الإسلامية هي اليوم أشد تشابكا وأكثر تعقيدا من أي وقت مضى، فلا يمكن بحال أن يمسّ جانب من جوانبها دون أن يكون لذلك انعكاس على سائر الجوانب الأخرى، وهو ما يقتضي أن يكون لذلك التغيير في صورة من صوره مستلزما لعمل تمهيدي في جوانب أخرى، حتى تتوافر عوامل النجاح في التغيير.
فهل يمكن مثلا أن يستبدل اليوم هذا النظام الربوي المستفحل في المجتمع الإسلامي بنظام لا ربوي دون تمهيد بسلسلة من الإجراءات الاقتصادية توفر المناخ الصالح لحصول هذا الاستبدال؟ وهل يمكن أن نطبق حد السرقة دون أن نمهد لذلك بضمان اجتماعي يحول دون تفشي السرقة بدافع الحاجة؟
إن التغيير المفاجئ يحدث في الجسم الحي اضطرابا، قد تكون له آثار سيئة على صحة الجسم، والتدرج من الداء إلى العافية في مراتب متعاقبة هو سنة الله في خلقه.
"على أن هذا التدرج لا ينبغي أن يكون متروكا للصدفة - سواء أكان على مستوى الفرد أو المجتمع - بل ينبغي أن ينتظم في خطة مدروسة بالنسبة للدعوة الفردية من الداعي أو في خطة مدروسة على مستوى المجتمع ليأخذ بيده إلى الكمال الإنساني. وتكون هذه الخطة ذات محورين متكاملين:"
-تدرج في استبدال الصورة الواحدة بالانتقال فيها من الأدنى إلى الأعلى حتى تبلغ التمام.
-وتدرج في استبدال مجموعة الصور بتقديم ما هو أصل على ما هو فرع، تأسيا برسول الله - صلى الله عليه وسلم، كما بيّنّا من قبل، وكما رأيناه صلى الله عليه وسلم حين أنفق ثلاث عشرة سنة في معالجة العقيدة، ثم انتقل إلى ما هو فرع لها من السلوك العملي" (1) ."
أو لا ترى - بعد هذا كله - أننا في حاجة ماسة إلى تطبيق هذا المبدأ الهام في زماننا هذا، كي نحقق الإصلاح المرجو، لنصل إلى الغاية المنشودة، موغلين برفق، داعين بحكمة، متبعين وسائل استخدامها السلفَ الصالحَ، فسادوا، وارتفعت راية الإسلام على أيديهم"."
(1) من كتاب: الدعوة الإسلامية، بحث مقدم إلى الندوة العالمية للشباب الإسلامي، تحت عنوان: الفكر الواقعي في النهضة الإسلامية، د. عبد المجيد النجار، ص 221.