فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 244

هؤلاء قضية تعريف، وإقناع، وإقامة حجة، ودحض باطل، وإظهار حق، وكل ذلك يحتاج إلى الصبر الجميل، والنَّفَس الطويل .. يحتاج إلى تعريف بمصدر الأمر، والمبلغ له، والثقة فيه.

ألا ترى أن القوم يستفتون خبيرا عالميا في الاقتصاد، ويأخذون بما يقول ثقة فيه، ويستفتون عالما في الاجتماع، وينفذون تخطيطه؛ لأنه ذائع الصيت، ويستفتون خبيرا في التعليم وينفذون ما يأمر به، وما أكثر ما يستدعون مم خبراء في مناحي الحياة المختلفة.

إنك ترى عجبا إذا مرض إنسان بالقلب، قالوا له: اذهب إلى الطبيب العالمي فلان، فإذا بالطيب يقول له: لا يأكل الطعام الحلو، واشرب الدواء المرّ أو يقطع جزءا من جسده، لأن في القطع حياته، والعجيب أنهم يستسلمون لطبيب الأجساد، أما خالق الأجساد والأرواح فيناقشونه ويراجعون أوامره تعاليمه، فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وصدق نبي الله نوح - عليه السلام - حين وصف لقومه داءهم فقال لهم بعد أن جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكبارا ... {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا. أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ... } [نوح: 13 - 16] إلى آخر ما قال، ليعرفهم بربهم فيقدروه حق قدره، فإذا بهم بعد ذلك، يقولون: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.

إنه التلقي أولا من الله، وأن تقرأ باسمه هو سبحانه، ولذلك، حين رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - جوامع من التوراة كتبها له يهودي قال: «لَا تَسْأَلُوْا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوْكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوْا بِبَاطِلٍ، أَوْ تُكَذِّبُوْا بِحَقٍّ، وَإِنَّهُ وَاللهِ لَوْ كَانَ مُوْسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِيْ» ، وفي بعض الأحاديث: «لَوْ كَانَ مُوْسَى وَعِيْسَى حَيَّيْنِ، لَمَا وَسِعَهُمَا إِلَّا اتِّبَاعِيْ» ، وحين سمع عمر مقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا، فسرّى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) .

أرأيت كيف أن التعريف بالدعوة والصبر عليها في غاية الأهمية، ليصبح عندنا الفرد المسلم الذي يرضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا، ويتيقن من قول الله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] ، فيتحلى بأخلاق لا إله إلا الله، محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقا وأمانة وإيمانا وعملا.

وسل التاريخ عن طاعة رسل الله الكرام لربهم، لأنهم تعرفوا عليه فقدروه حق قدره، ألا ترى أن نوحا - عليه السلام - صنع الفلك في أرض صحراوية وهو يعلم أن الله مجريها ومرسيها.

(1) الحافظ ابن كثير (1/ 373، 378) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت