فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 244

1 -صحة الاعتقاد.

2 -وصدق الاتباع.

فإذا تحقق هذان الأمران في إنسان، فإنه يسلم وجهه لله وهو محسن، فإذا به يوقر المصدر الذي يصدر له الأمر؛ لأنه العلاقة بين الآمر والمأمور تكون قد تحددت، فإن سألت: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيرا .. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .

توقير مصدر الأمر:

ومع توقير الآمر يتحقق توقير المبلغ عنه واحترامه وحبه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ .. } [آل عمران: 31] ، فنجد المسلم لا يجعل دعاء الرسول كدعاء بعضنا بعضا، فيوقره وهو يناديه، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله، بل ولا يرفع صوته فوق صوت النبي، لا يجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض.

ويا له من احترام قائم دائم بين الصحابة - رضوان الله عليهم - والرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى أنه لما نزل قول ربنا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] .

قال ثابت بن قيس بن شماس، وكان رفيع الصوت: أَنَا الَّذِيْ أَرْفَعُ صَوْتِيْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنَا حَبِطَ عَمَلِيْ، وَذَهَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِذَا دَخَلْتُ بَيْتَ فِرَاشِيْ، فَشُدِّيْ عَلَى الضَّبَّةِ بِمِسْمَارٍ، فَضَرَبَتْهُ بِمِسْمَارٍ، حَتَّى إِذَا خَرَجَ عِطْفُهُ قَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَتَوَفَّانِيَ اللهُ تَعَالَى أَوْ يَرْضَى عَنِّيْ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمَّا تَفَقَّدَهُ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إِلَيْهِ عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَسَمِعَ مَقَالَتَهُ، فَأَخْبَرَ الرَّسُوْلُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا قَالَ: قَالَ الرَّسُوْلُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِذْهَبْ فَادْعُهُ لِيْ» ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ عَاصِمُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُوْكَ، فَقَالَ: اِكْسِرِ الضَّبَّةَ، فَخَرَجَ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ الرَّسُوْلُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِيْنَ رَآهُ يَبْكِيْ خَوْفًا وَنَدَمًا، قَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيْشَ حَمِيْدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيْدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» قَالَ: رَضِيْتُ بِبُشْرَى اللهِ تَعَالَى وَرَسُوْلِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَرْفَعُ صَوْتِيْ أَبَدًا عَلَى صَوْتِ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَ قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى .. } [الحجرات: 3] (1) .

أين هؤلاء من أولئك الذين يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويقولون: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ويرفعون أصواتهم قائلين: البنوك الربوية حلال، والخمر للسياحة مباحة، والرقص والخلاعة جائزة، وعري المرأة حسب البيئة، وحجابها رجعية، وابتذالهها تقدمية، واختلاطها بالرجال حرية! فهل يستوي الذين يقولون: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} مع الذين يقولون: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} .. إن القضية مع

(1) صفوة التفاسير، سورة الحجرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت