والإحسان إلى الوالدين (1) .
قال حماد بن مسلمة: إن صِلة بن أَشْيَم مرّ عليه رجل قد أسبل إزاره [إشارة إلى التكبر] ، فهمّ أصحابه أن يأخذوه بشدّة، فقال: دعوني أنا أكفيكم، فقال أَشْيَم للرجل: يابن أخي، إن لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك يا عمّ؟ قال: أحسب أن ترفع من إزارك. فقال: نعم وكرامة، فرفع إزاره. فقال لأصحابه: لو قرعتموه لقال: لا، ولا كرامة، وشتمكم (2) . وأزيدك ثانية لتزداد إيمانا مع إيمانك بأثر الرفق والرحمة في النفوس، فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، فلا بد للداعي أن يدخل للناس من باب الحسن لا من باب البغض.
قال محمد بن زكريا الغلابي: شهدت عبد الله بن محمد بن عائشة ليلة، وقد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله، وإذا في طريقه غلام من قريش سكران، وقد قبض على امرأة فجذبها فاستغاثت، فاجتمع الناس يضربونه، فنظر إليه ابن عائشة فعرفه، فقال للناس: تنحوا عن ابن أخي، ثم قال: إليّ ابن أخي، فاستحى الغلام، فجاء إليه، فضمّه إليه، ثم قال له: امض معي، فمضى معه حتى صار إلى منزله، فأدخله الدار، فقال لبعض غلمانه: قد أمر أن تأتيه فأدخله عليه فقال له ابن عائشة: أما استحيت لنفسك؟ أما استحيت لشرفك؟ أما ترى من ولدك؟ فاتق الله وانزع عما أنت فيه، فبكى الغلام منكسا رأسه، ثم رفع رأسه وقال: عاهدت الله عهدا يسألني عنه يوم القيامة أني لا أعوذ للشرب ولا لشيء مما كنت فيه وأنا تائب. فقال ابن عائشة: ادن مني، فقبّل رأسه وقال: أحسنت يا بنيّ، فكان الغلام بعد ذلك يلزمه ويكتب عنه الحديث، وكان ذلك ببركة الرفق (3) .
وانظر إلى هذا الذي أراد أن يغيظ أبا ذر حين جاءه غلام رقيق له وقد كسر رجل شاة لأبي ذر، فقال له: من كسر رجل هذه؟ قال الغلام: أنا فعلته عمدا لأغيظك فتضربني فتأثم، فقال أبو ذر: لأغيظن من حرّضك على غيظي، فأعتقه في سبيل الله (4) .
إن الداعي يسيء إلى نفسه إذ شق على الناس، فإنه كأنه ينظر إليهم النظرة الدونية أو نظرة المستعلي المترفع، كأنه يقول لهم: أنا العالم، وأنتم الجهلة، وأنا التقي الورع وأنتم الفسقة، وأنا الهادي من الضلالة، ألا فليتذكر قول الله: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] ، فيتذكر كيف كان حاله قبل هدايته، فلا يرمي أهل المعاصي بالحجارة."من كان منكم بلا"
(1) انظر: الظلال في معنى الآية 83 من سورة البقرة.
(2) (3) من كتاب: السلوك الاجتماعي في الإسلام للشيخ حسن أيوب، ص 478.
(4) من كتاب منهاج القاصدين للمقدسي، ص 190.