فهرس الكتاب
تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 126 - 128] .
إن العنف في الدعوة لا يأتي بخير، فلا شيء يشين الدعوة أكثر من العنف، لأن الدعوة إلى الله تحاول أن تدخل إلى أعماق الإنسان؛ لتجعل منه شخصا ربانيا في مفاهيمه، ومشاعره، وسلوكه، وتبدل كيانه كله، وتنشئ منه خلقا آخر، فكرا، وشعورا، وإرادة، كما أنها تهزّ كيان الجماعة هزًّا؛ لتغيّر عقائدها المتوارثة، وتقاليدها الراسخة، وأخلاقها المعكوفة، وأنظمتها السائدة ...
وهذا كله لا يمكن أن يتم إلا بالحكمة، وحسن التأني في الأمور، والمعرفة بطبيعة الإنسان وعناده، وجموده على القديم، وأنه أكثر شيء جدلا، فلا بد من الترفق في الدخول إلى عقله، والتسلل إلى قلبه، حتى نلين من شدته، ونكفكف من جموده، ونطامن من كبريائه (2) .
إن المولى - سبحانه وتعالى - لم يكره أحدا على الإيمان به، والدخول في دينه، إنما بسط الأدلة، وأقام الحجة، وأرسل رسلا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقال: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] ، فكيف تكره أنت الناس على دعوة الله وقد جعل الله الخيار للناس في الإيمان: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ، وسأكتفي بعرض مثالين عن قصص الأنبياء - عليهم السلام - لتتدبرهما - فقّهني الله وإياك - فإبراهيم - عليه السلام - راغ إلى أصنام المشركين ضربا باليمين، وهذا عمل طيب في حد ذاته؛ لأن صاحبه ينبعث إليه بباعث شريف، ويقصد به غاية كريمة، ولكن هل ترى هذا المنهج كفيلا بقطع دابر الأصنام وإقناع الناس بالعدول عن عبادتها؟
إنه عمل العاطفة الطيبة بلا نزاع، ولكنك ترى فيه الملاحظات الآتية:
1 -إن تكسير الأصنام شبيه بالعمل الفردي، كلاهما لا يبطل الفساد، ولا يستأصل عبادة الأصنام، لأن سبيل استئصالها بث العقدية الصالحة في القلب، وتمكينها من قراءة النفوس بالوسائل الخالية من الاستفزاز.
(1) صفوة التفاسير (2/ 129) من تفسير سورة النحل.
(2) الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، للدكتور يوسف القرضاوي، ص 47.