الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: 123] .
ثانيا: في تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها، حيث لا مجال لعواطف الرحمة في إقامة حدود الله في أرضه: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2] .
ولا تظن أن الشفقة على الظالم، والامتناع عن الاقتصاص منه نوع من الرحمة، إنها ليست من الرحمة في شيء، لأنها تخفي في ثناياها قسوة على المظلوم. قال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» . وقال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ... } [البقرة: 251] ، فإذا كان من الرحمة أن تقطع بعض أجزاء الجسم الفاسدة رحمة بالمريض، فإن من الرحمة بالناس أن تقطع عناصر الفساد.
وأيضا، بالرغم من أن الباعث على الحرب في الإسلام هو رد الاعتداء .. إلا أننا نرى أدب الإسلام ولطفه في وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ، وقد أرسله إلى اليمن، فاسمع إليه - صلى الله عليه وسلم - يقول له:
«لَا تُقَاتِلُوْهُمْ حَتَّى تَدْعُوْهُم، فَإِنْ أَبَوْا فَلَا تُقَاتِلُوْهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوْكُمْ، فَإِنْ بَدَأُوْكُمْ فَلَا تُقَاتِلُوْهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوْا مِنْكُمْ قَتِيْلًا، ثُمَّ أَرُوْهُمْ ذَلِكَ، وَقُوْلُوْا لَهُمْ: هَلْ إِلَى خَيْرٍ مِنْ هَذَا مِنْ سَبِيْلٍ، فَلَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ عَلَى يَدَيْكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ» .
إنه نبي الملحمة، كما أنه نبي المرحمة، يدعو دائما إلى الخير، وتأليف قلوب الناس؛ لأنه واثق من نصر الله، فَعَلَامَ الغلظة في الدعوة، وهي دعوة الله، لا دعوة حزب من الأحزاب، ولا هيئة من الهيئات، لذلك، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تَأَلَّفُوا النَّاسَ وَلَا تُغِيْرُوْا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَدْعُوهُمْ، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا تَأْتُوْنِيْ بِهِمْ مُسْلِمِيْنَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتُوْنِيْ بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَتَقْتُلُوْا رِجَالَهُمْ» (1) .
إنها حرب ليس فيها إهلاك حرث ونسل وإفساد زرع وإلقاء سم لتسميم الأحياء، كما فعلت الروس بالأفغان، وكما فعلت إسرائيل بالفلسطينيين، ولكنها حرب لله، وباسم الله، وعلى بركة الله، وصلوات ربي وسلامه عليه حين كان يقول لسراياه: «اِنْطَلِقُوْا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، وَعَلَى بَرَكَةِ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقْتُلُوْا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلُّوْا، وَضَمُّوْا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوْا، وَأَحْسِنُوْا، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْنَ» .
ويوم غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمقتل عمه حمزة يوم أحد، يوم بقر وحشي بطنه، ولاكت هند بنت عتبة كبده، وقال - صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ أَظْفَرَنِيَ اللهُ بِهِمْ، لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِيْنَ مِنْهُمْ» ، نزل قوله
(1) حياة الصحابة، لمحمد يوسف الكندهلوي (1/ 152) ، والترمذي (1/ 195) .