فهو مبشر للخير ولسعادة الدنيا والآخرة للطائعين، منذر بعذاب شديد للعاصين.
ورضوان الله على سيدنا عليّ، فلقد روى عنه أنه قال:"ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه الذي لا يُقَنِّط الناس من رحمة الله، ولا يرخص للمرء في معاصي الله، ولا يدع القرآن رغبة إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها ولا خير في علم لا فقه فيه، ولا خير لقراءة لا تدبر فيها" (1) .
ولذلك وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقنّط الناس من رحمة الله، بل يحببهم ويرغبهم في الطاعات، واسمع إلى أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ؟ أَذَلِكَ يُبْقِيْ مِنْ دَرَنِهِ؟» قَالُوا: لَا يُبْقِيْ مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» (2) .
إن الجن حين سمعوا هذا القرآن وآمن به من آمن منهم فقهوا ذلك حين رجعوا إلى قومهم فبشروهم قبل أن ينذروهم، فهم بعد أن أنصتوا إليه وتنبهوا إلى معانيه وآمنوا بما جاء فيه شعروا أن عليهم واجب التبليغ به الذي يجب أن يؤديه كل مَن آمن به فقالوا: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 31 - 32] .
فأنت ترى ترغيبا قبل ترهيب لتتفتح القلوب الغلف والعيون العمي والآذان الصم، وتشتاق النفس إلى هذا الخير الذي ينتظرها، فتنجذب إليه، ولا تستقل فعله، فإذا بها تسارع إلى الخيرات حين تستشعر رحمات الله عليها.
فعلى الداعي أن يفقه حال المدعو حين يدعوه فلا يرهب أحدا قبل أن يرغبه، فبعض الناس وهم يعيشون بعيدا عن طاعة الله يوسوس لهم الشيطان كأن أملاكهم ستسلب وأعمارهم ستنتهي بمجرد التزامهم بمنهج الله، فلا ملك عريض ولا حياة طيبة، فإن أطاعوا أوامر الله انتهت حرياتهم التي لا حدود لها، وسينتقلون إلى شظف العيش ومرارة الحرمان .. هؤلاء يحتاجون إلى أن نبيّن لهم خزائن الله التي لا تنفذ والحياة الرغدة التي تنتظرهم وتعال واسمع إلى ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم حين أسلم.
يروي عدي بن حاتم الطائي نفسه فيقول: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سُمع به مني، أما أنا فكنت امرءًا شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت
(1) من كتاب العلم للحافظ بن خيثمة.
(2) البخاري (2/ 11) كتاب مواقيت الصلاة.