فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 244

فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ؟ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: سَلْمَانُ قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ سَلْمَانُ» (1) .

ما أيسر هذا الدين!! إنه دين الفطرة، فكل ما يصطدم بها فهو ليس من الدين، لأن الذي خلق هو الذي أمر: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] . وانظر إلى اليسر والبساطة، بل الفطرة السليمة، والذوق العالي في هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: صنعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما، فلما وضع قال رجل: أنا صائم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر وصم مكانه إن شئت (2) بهذه البساطة، وهذا اليسر، ورفع الحرج .. أفطر وصم مكانه طالما أنه صيام تطوع.

إن الاعتدال مطلوب للتيسير على المسلم حتى ولو كنت إماما يصلي بالناس، فيجب أن تفرق بين صلاتك بمفردك متنفلا وبين صلاتك وأنت تؤم المسلمين، واسمع معي إلى هذا الحديث:

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الحَاجَةِ» (3) .

وكم رأيت بعيني، وشاركت بنفسي في صلاة قيام رمضان، فكم من شباب من الذين يؤمّون، كان يطيل القراءة، حتى يصل إلى أكثر من جزء، يطيل السجود والركوع، حتى يصرف المصلي عن الخشوع، وبدل أن يتدبر المأموم في الآيات، يسأل نفسه: متى يفرع الإمام من الصلاة .. وكم من إنسان ترك مثل هذه المساجد من طول الوقوف والسجود والركوع .. ألا رفقا بالناس .. ألا يسروا ولا تنفروا، فإن أبا هريرة - رضي الله عنه - روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيْفَ، وَالسَّقِيْمَ، وَالْكَبِيْرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (4) .

وعن أبي قتادة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنِّيْ لَأَقُوْمُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيْدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيْهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِيْ صَلَاتِيْ، كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» . وفي رواية: «مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (5) .

(1) البخاري (4/ 209) .

(2) البخاري (4/ 209) .

(3) البخاري (1/ 186) .

(4) البخاري (1/ 199) كتاب الأذان.

(5) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت