وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: 272] ، لتهدأ نفسه، ويعلم أنه لا يملك إلا دعوتهم، أما حركة القلب استجابة أو رفضا فهي من الله العلي الأعلى.
والحقيقة أن الداعية الصادق المخلص لله رب العالمين يصاب بالألم والحسرة حين يرى الصد والاستهزاء والسخرية لدعوته وهو يؤمن إيمانا لا يشوبه شك، ويقينا لا يخالطه ريب بأن دعوته دعوة الحق، وأن طريقه هو الصراط المستقيم، فعليه أن يتذكر قول الله تعالى وهو يدعو: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ. أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ. فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الزخرف: 41 - 43] ... ومع هذا الذي يتعرض له، لا بد أن يشعر من يدعوهم بالحرص عليهم.
ولقد عرض لنا القرآن الكريم هذا الموقف، وهذه المشاعر التي انتابت أنبياء الله ورسله، وهم تنقطع قلوبهم حسرة وألما، لما يرونه من موقف أعدائهم والمعرضين عن دعوتهم، وإن دلّ ذلك فإنما يدلّ على الرحمة التي أشرنا إليها، والحرص على هدي أقوامهم، فيقول كل منهم لقومه: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ، الله الله، ونبي الله يقول للمكذبين من قومه: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} فأي حرص هذا، إنه حرص وصل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قلت - إلى حالة أشفق القرآن عليه فيها: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] ، بل وصل الأمر إلى أن المولى يخاطب رسوله ليخفف عنه ما هو فيه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] .
حقيقة أن الداعية ليتألّم وهو بشر مثلهم يرجو الثمرة حين يبذل الجهد، فيحزن من إعراض الناس عن دعوته، لكنه لا بد أن يعلم حقيقة كثيرا ما تغيب عن الدعاة، ألا وهي أن الداعي عليه أن يضع البذرة ولا ينتظر الثمرة، فهو يحرص على بذرته، ويرعاها، ويبذل الجهد للمحافظة عليها. أما الثمرة فهي من عند الله - سبحانه -، إن شاء جعل لها أرضا نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وإن شاء جعلها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. وصدق الله إذ يقول: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ... } [النحل: 37] ، واقرأ إن شئت قول ربنا لرسولنا الكريم: {طه. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه: 1 - 3] ، فليس في الدعوة شقاء، إنما فيها شفاء.
وتدبر هذا الموقف الذي حدث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أن كسرت رباعيته وشج رأسه يوم أُحُد، فجعل الدم يسيل من وجهه، وهو يمسح الدم ويقول:"كيف يُفْلِح قوم خضبوا"