فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 244

من الله ورضاه عليه في حياته الدنيا، ليسعد فيها، والنعيم الدائم في الحياة الآخرة: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .

والدعوة إلى الله فريضة شرعية. والأدلة على وجوبها كثيرة، نذكر منها:

أولا: قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

والآية واضحة في الدلالة على الوجوب، لمجيء لام الأمر في قوله: {وَلْتَكُنْ} ، إلا أن قوله: {مِنْكُمْ} دلّ على أن الوجوب على الكفاية.

فالأمة كلها مأمورة بأن توجد منها مَن يقوم بهذه الفريضة وعند وجود من يقوم بها يصبح في حق مَن تعيّنت عليهم فرض عين، باعتبار الشروط فيهم، كما يسقط بذلك الوجوب عن الباقين، وإلا، أثمتْ الأمةُ كلها.

وهذا من حيث إحياء هذه الفريضة واستمرار القيام بها.

أما عندما يرى المسلم منكرا، يجاهر به أصحابَه، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بيّن الواجب على المسلم في هذه الحال فقال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيْمَانِ» (1) ، وتبيان تطبيق ذلك بقواعده وشروطه، كما بيّن العلماء.

ثانيا: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159 - 160] .

قال ابن كثير: هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البيّنة على المقاصد الصحيحة والهدي النافع للقلوب، من بعد ما بيّن الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله (2) .

ثالثا: وقوله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63] .

روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية. وعن الضحاك أنه قال: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنّا لا ننتهي (3) .

وروى ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر قال: خطب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما أهلك مَن قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي، أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف، وانهوا عن

(1) رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، كتاب الإيمان (1/ 69) .

(2) ابن كثير (1/ 200) .

(3) تفسير ابن جرير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت