المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم. واعلموا أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا (1) .
رابعا: قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105] .
عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال في تفسيرها: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... الآية} ، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ وَلَا يُغَيِّرُوهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ» (2) .
خامسا: قول الله تعالى: {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .
فقد أقسم الله - عزّ وجلّ - على خسران الإنسان من حيث هو، ثم استثنى مَن توفّرت فيهم هذه الصفات الأربع: الإيمان - العمل الصالح - التواصي بالحق (وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) - والتواصي بالصبر، سواء كان على الأقدار، أو على الطاعات، أو عن المعاصي، أو على ما يصيبهم من أذى بسبب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومردّ الحكم على أي شأن من الشؤون بكونه معروفا أو منكرا إلى الشرع."فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر" (3) .
ومعرفة ما هو معروف ومنكر في الشرع يحتاج إلى علم وفقه، ولذلك، لا بد لكل من يقوم بهذا الواجب من العلم والفقه. أما الإقدام عليه مع الجهل، فإنه يؤدي إلى الإفساد واتباع الهوى (4) ، ولذلك، فسّر العلماء البصيرة في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] بالبرهان العقلي والشرعي (5) ، وبالمعرفة والتحقق (6) .
زيادة بيان في وجوب الدعوة
إن كل مسلم يحمل هذا الإسلام عقيدةً وشريعةً يعلم أنه مأمور بتبليغه إلى الناس جميعا، لأنه من واجبه أن ينشره في دنيا الناس، حتى يستظلّوا بظلاله الوارفة، وينعموا بأمنه
(1) تفسير ابن كثير (2/ 74) .
(2) مسند الإمام أحمد (1/ 5) .
(3) الفتاوى لابن تيمية (28/ 65) .
(4) معالم الدعوة في قصص القرآن الكريم لعبد الوهاب بن لطفي الديلمي، رسالة الدكتوراه (1/ 52) .
(5) ابن كثير (2/ 496) .
(6) مفردات الراغب الأصفهاني، ص 49.