والإيمان، ولذلك، فإن المولى هو الذي يجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودا، وهو - سبحانه - الذي جعل {لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} ، ولذلك كان تأليف القلوب من الله - سبحانه وتعالى - فـ {أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] .
من أجل ذلك، فإن المولى - سبحانه وتعالى - يقول: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .
إن من أحبّ الله، عادى أعداءه، ولا يجتمع في قلب واحد حب الله وحب أعدائه، كما لا يجتمع النور والظلام.
وقال المفسرون: غرض الآية: النهي عن مصادقة ومحبة الكفرة والمجرمين، ولكنها جاءت بصورة إخبار مبالغة في النهي والتحذير. قال الإمام الفخر: إنه لا يجتمع الإيمان مع حب أعداء الله؛ وذلك، لأن من أحب أحدا امتنع أن يحب عدوّه، لأنهما لا يجتمعان في القلب، فإذا حصل في القلب مودة أعداء الله لم يحصل فيه الإيمان. ولذلك، فإن قضية الإيمان بالله تقتضي معاداة أعداء الله.
قال في البحر: بدأ بالآباء، لأن طاعتهم واجبة على الأولاد، ثم بالأبناء؛ لأنهم أعلق بالقلوب، ثم بالإخوان، لأنهم بهم التعاضد، ثم بالعشيرة، لأن بها التناصر والمقاتلة والتغلب على الأعداء.
قال ابن كثير: نزلت: {وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ} في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر: {أَوْ أَبْنَاءَهُمْ} في الصديق هم بقتل ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر: {أَوْ إِخْوَانَهُمْ} في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ: {أَوْ عَشِيْرَتَهُمْ} في حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة يوم بدر (1) ، وهكذا يتبيّن لك الفرق الدقيق بين البر والمودة أولاهما حركة جارحة، والثانية حركة قلبية، ولذلك أمر الله بالأولى، ونهى عن الثانية.
والبر، إن كان حركة جارحة إلا أنه لون من ألوان تأليف القلوب، فأمر به المولى حتى مع الكفار الذين لم يقاتلونا أو يخرجونا من ديارنا، علّ القلب يلين بهذا التأليف، ويكون سببا في الهداية والعودة إلى الله.
هناك بعض أنواع من السلوك أو الحركات التي إذا فعلها الداعي مع المدعو أدخل السرور على نفسه، وهيّأه للسماع بنفس راضية، كأن يهش في وجهه حين يلقاه أو يربت
(1) صفوة التفاسير (3/ 344) سورة المجادلة.