فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 244

خلاف فيها، ثم خاصم وهجر وقاطع أخا له في الدعوة، وعبس في وجهه، وبنى أحكاما على فهمه هذا، وضاق صدره بالرأي الآخر. إن أهم نقطة ينطلق منها الداعي أن يتسع صدره لاستماع وجهة نظر خصمه مهما كانت وجهة النظر هذه مرفوضة أو مقبولة لنا، سامية أو منحطّة، لأننا بذلك نضمن أن يستمع خصمنا لنا، ويتسع صدره لوجهة نظرنا، وما لم نملك هذه الخاصية الهامة، فلن نربح الحوار مع عدوّنا.

إن هذا الموقف علّمنا أن أولى مراحل انتصارك أن تهزم عدوّك من داخله، وعتبة لم يسلم، ولكنه هزم نفسيا أمام نصاعة الدعوة، وبلاغة القرآن، ترى ذلك من حديثه بينه وبين إخوانه بعد عودته مِن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وبهذا الأسلوب من الأدب الرفيع استطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحيّد رأسا من رؤوس الكفر، ويجعله ينسحب ووراءه جمع كبير هم قبيلة بني أمية، وهذه سياسة حكيمة، ودعوة بصيرة: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] .

وروى الإمام أحمد عن أم الدرداء - رضي الله عنها - قالت: كان أبو الدرداء إذا حدث حديثا تبسّم، فقلت: لا يقول الناس إنك أحمق، أي: بسبب تبسمك في كلامك - فقال أبو الدرداء: ما رأيت أو سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث حديثا إلا تبسم - فكان أبو الدرداء إذا حدث حديثا تبسم، اتباعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.

سادسا: أن تحاوره دون تعالٍ عليه وتنزله منزلته

كل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل الناس منازلهم، فكان يوقّر الكبير، ويعطف على الصغير، ويكرم من كان له سبق في الإسلام.

يقول ابن كثير: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر منهم"ثابت بن قيس"، وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي - صلى الله عليه وسلم - على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لمن حوله - من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، يعدد الواقفين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك وقالوا: ما عدل مع هؤلاء قوم أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب منه، فأقامهم، وأجلس مَن أبطأ عنه!!! فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ... الآية} [المجادلة: 11] (1) .

بهذا الأدب الجمّ يقتدي المسلم، ويسلك الداعي، فيحترم من سبقه الطريق، ويسمع إلى

(1) تفسير ابن كثير، سورة المجادلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت