فهرس الكتاب
أي مثل اليهود الذين أعطوا التوراة، وكلفوا بالعمل بما فيها، ولم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بهديها وبنورها كمثل الحمار الكتب النافعة الضخمة، ولا يناله منها إلا التعب والعناء.
قال القرطبي: شبههم الله تعالى والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها كالحمار يحمل كتبا، وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة، فهو يتعب في حملها ولا ينتفع بما فيها وهذه الآية الكريمة فيها تعريض بنا معشر المسلمين إن لم نطبق أحكام القرآن، ونعمل بمقتضاه، وهو على حد قولهم:"إياك أعني، واسمعي يا جارة" (1) .
وتأمل كيف أن الله - سبحانه وتعالى - أراد أن ينهى عادة من عادات الجاهلية، وهي التبني، فلم يصدر أمرا لينقذه المؤمنون، إنما أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكون القدوة في ذلك فقال: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب: 5] ، وقال لزينب بنت جحش: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ، والثانية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] ، حتى يكون القدوة في التطبيق.
وصدق الله العظيم حين قال: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... } [المائدة: 68] .
واسمع إلى ما أخرجه ابن جرير في تاريخه عن سالم أن عمر بن الخطاب كان إذا صعد المنبر ينهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير، وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة لمكانه مني.
وهذه وصية الإمام الشافعي أرشد بها مؤدب أولاد هارون الرشيد، فقال:"ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك، فإن أَعِنَّتَهُم معقودة بيدك فالحسن عندهم ما استحسنته، والقبيح عندهم ما تركته".
فانظر قوله: القبيح عندهم ما تركته، لم يقل له: القبيح عندهم ما قلت لهم إنه قبيح، بل ما لم تعمل به ولم تقر به" (2) ."
إن توجيهات الداعي الواصلة إليك منه تستقر في ذاكرتك، ومن ثم، فهي عرضة للنسيان، أما الداعي نفسه كقدوة طيبة، فإنه يظل في الوجدان ومن أجل ذلك لا يُنسى.
(1) صفوة التفاسير (3/ 379) .
(2) المنطلق لمحمد الراشد، ص 37، 38.