الحليس بن علقمة، وكان يومئذ سيد الأحباش الذين كانوا يعينون قريشا في القتال، فلما رآه النبى - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال - عليه السلام: إنه من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي من عرض الوادى، وبها القلائد، شعر بأنه هدي الحج، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله.
فاكتفى الحليس بالنظر إلى الهدي عن المحادثة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إعظاما لما رأى. ثم حدثهم بما رأى، فقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابى لا علم لك.
غضب الحليس عند ذلك، وقال:
يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أفنصده عن بيت الله تعالى من بعد ما جاء معظما له، والذى نفس الحليس بيده، لتخلُنّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفّرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد (2) .
وهكذا، بهذا التصرف الحكيم، استثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - همة الحليس، وألف به قلبه حين أطلق الهدي في وجهه، فكسبه لصفّه، وانقلب الحليس على حلفائه، فهل يدرك الداعي هذا الذكاء؟ وكيف يتعامل مع أعداء الله بهذا الوعي؟
إن الدعاة إلى الله لا يغتاظون ولا ينظرون نظرة الكراهية إلى ما يدعونهم من المنابذين لهم، بل يحل في نفوسهم مكان الحنق والغضب لأنفسهم الشفقة والحزن على المخاطبين بالدعوة، لأن شفقتهم على الناس أسبق من شفقتهم على أنفسهم.
إن الكلمة الطيبة الخالية من الحقد والغيظ أقطع من السيف في تطويع نفس المدعو وإذعانه للدعوة، وتأمل هذا الموقف حين جاء يهودي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده عمر بن الخطاب، يطالبه بِدَيْنٍ، فقال: أنتم آل عبد المطلب قوم مطل، فغضب عمر - رضي الله عنه - لهذا الموقف العنيف، وعمد إلى سيفه، فأنّبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلا: يا عمر، كان الأجدر بك أن تأمره بحسن الطلب، وتأمرني بحسن الأداء، وهكذا، تكون الدعوة، وفقه الداعية، فالمواقف العملية أوقع وأعمق أثرا في النفوس لتحبيبها، ولتأليفها من المواعظ الكلامية.
حري بنا إذا تكلمنا عن مداراة السفهاء أن نبين الفرق بينها وبين المداهنة، فقد يختلط الأمر على الداعي فيسيء وهو يحسب أنه يحسن صنعا.
فالمداراة: هي التلطف بالمدعو، وإظهار البشاشة له، دون إخفاء حق، أو تحسين لباطل، أو تغيير لحقيقة، ولا سيما إذا كان من يُدارى ممن يخشى صولته، ويتقى في الناس شرّه، وهي تكون مشروعة لمصلحة الدعوة.
أما المداهنة: هي نوع من النفاق، يدخل فيها المجاملة المحرمة، والمديح الكاذب،
(1) أي يذعنون لظاهر العبادة.
(2) خاتم النبيين، للشيخ محمد أبو زهرة (2/ 283) .