بين الأمنيات والإمكانيات ولا ينطلقون من خيال إنما من واقع مدروس ملموس، ولذلك كان على الداعي الواعي أن يدرس البيئة التي يعمل فيها دراسة علمية متأنية حكيمة يتعرف منها على علل البيئة التي درسها والأمراض فيشخصها، ثم يفكر في أسلوب العمل تفكيرا علميا لا سطحيا، ويتعرف على عقلية الناس واستعداداتهم ومستوى تفكيرهم وثقافتهم، فلا يعقل أن يتعامل الداعي مع البيئة الريفية كما يتعامل مع البيئة الحضرية أو البدوية، والوسط المتعلم كما يتعامل مع الوسط الجاهل أو الأمي، والبلد الذي تنتشر فيه الشيوعية كالتي تنتشر فيها الرأسمالية أو العلمانية، والبيئة المقهورة المظلومة كالتي تتمتع بشيء أو بقسط من الحرية .. والحق يقال: إن الداعي لا بد أن يتحدث مع كل قوم بلسان حالهم واللغة التي يتحدثون بها: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] .
فلكل جماعة من الناس لسان تخاطب به على حسب حالها، فالجماعة الثائرة الهائجة تخاطب بعبارات هائة، لتكون بردا وسلاما على القلوب، والجماعة الهادئة الفاترة تخاطب بعبارات مثيرة موقظة للهمم، حافزة للعزائم، محركة للنفوس، يضبطها الفقه، ويحكمها الوعي، وهكذا تكون أساليب الداعي ملائمة ومناسبة. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الطبراني في الكبير عن معاوية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقَّهْهُ فِي الدِّيْنِ، وَإِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» .
وهكذا ننتقل بالدعوة من ميدان المشاعر والانفعالات والخطب والمقالات إلى ميدان التخطيط والتنظيم والبرمجة والتأصيل والتقعيد، وليس غريبا أن تبرز هذه الحاجات في هذه الآونة، لأن الدعوة اتسعت وتشعبت وكثرت ممارستها وتجاربها وأساليبها، وهذا الاتساع وهذا التشعب لا يضبط إلا بالكشف عن الأصول والقواعد، وليس أمر الدعوة بدعا من أمور العلو الإسلامية الأخرى، فقد تناول المسلمون حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرواية والدراسة، حتى وجدوا أنفسهم بحاجة إلى علم أصول الحديث ومصطلحه، وكذلك الحال في النحو والصرف والعقيدة والتفسير والتاريخ والفقه، فإن أصول العلوم وقواعدها جاءت في مرحلة متأخرة.
وفي الوقت الذي اتجهت فيه العلوم للتأصيل والتقعيد، كان علم الدعوة أقوالا مأثورة، وشذرات منثورة، ولم يكن علما بالمعنى الاصطلاحي للعلم؛ لأن مبعث العلم الحاجة إليه لم يكن المجتمع الإسلامي مهجورا أو غريبا، وإنما كان قائما فاعلا ناشئا، وأكثر أفراده