يمارسون الدعوة كما يعيشون وكما يأكلون ويشربون (1) .
فلا عجب أن نؤصل للدعوة ونقعد لها ونرشد إلى العلوم التي يجب على الداعي تعلّمها، حتى تتعمق ثقافته وفقهه ووعيه، وحتى نساير ركب التقدم والرقي، ونأخذ بأسباب الحياة الطيبة. فعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تُحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ؟ إِنَّهَا تَأْتِيْنِيْ كُتُبٌ» ، قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَتَعَلَّمْهَا!» ، فَتَعَلَّمْتُهَا فِيْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا (2) .
أليس ذلك أكبر دليل على حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن تكون الأمة الإسلامية واعية للثقافات والحضارات واللغات التي حولها بالقدر الذي يجعلها تستفيد وتفيد في مجال الخبرات الإنسانية العملية؛ وليتمكن الدعاة إلى الله من أداء رسالتهم في سهولة ويسر.
وهكذا، فإن الداعي يحتاج بجانب فقهه وعلمه وتخطيطه إلى جناحين يحلق بهما: جناح التقوى، ليتجرد بعمله لله سبحانه، وجناح الوعي، ليتفرس به ما يحاك له من مؤامرات ودسائس. فكم من تقيّ افتقد الوعي، فسقط في شِرَك الأعداء، وكم من داع لا تقوى له أخلد إلى الأرض واتبع هواه.
ولكي نرى حاجة الداعي إلى اليقظة والوعي، استمع إلى ما قاله جلادستون في مجلس العموم البريطاني، حين أمسك هذا اللعين بكتاب الله في يده وصاح قائلا: إنكم لن تنتصروا على المسلمين ما لم تمزّقوا هذا الكتاب، فإذا بأحد أعضاء المجلس يخطف منه الكتاب ويمزّقه إِرَبًا، فما كان من جلادستون إلا أن قال له: ما أجهلك! ما أردت تمزيق ورقه، ولكني أردت تمزيق تعاليمه في نفوس المسلمين.
إنه يريد تمزيق تعاليمه، وليس تمزيق ورقه، يريد تمزيق الصدور، والتواء النفوس، وسواد القلوب، حتى تهجر هذا الكتاب الذي جعله الله نورا للناس يمشون به .. ويذكرني هذا اللعين"جلادستون"بأستاذه إبليس الذي ظهر لعيسى بن مريم - عليه السلام - فقال له: ألست تقول: إنه لن يصيبك إلا ما كتبه الله عليك؟ قال: نعم، قال: فارم بنفسك من ذروة هذا الجبل، فإنه إن يُقدر لك السلامة، تسلم، فقال له عيسى - عليه السلام: يا ملعون، إن لله أن يختبر عباده، وليس للعبد أن يختبر ربّه - فبهت الذي كفر. يا لها من بصيرة نافذة، ووعي بأساليب شياطين الإنس والجن على حد سواء، يردّ كيدهم في نحورهم. إن الإصلاح والتغيير لا يمكن أن يجيئا بمجرد إسداء النصح، وإصدار التوجيهات، وتنميق
(1) قواعد الدعوة إلى الله، للدكتور همام عبد الرحيم سعيد، ص 109.
(2) أخرجه أحمد والبخاري والترمذي.