فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 244

المقالات، وتدبيج الخطب والمحاضرات، إنه يتطلب تغييرا في مجرى الواقع المعاش، ومن هنا، فإن الداعي الذي يصلح للتحدث في الإسلام: رجل خبير بالحياة وعللها، مكين في الوحي الأعلى، يأخذ منه بلباقة ما يشفي علل الناس ويصلح بالهم، وما يتألف به نافرهم، ويسكن ثائرهم، وما يدحض به الأسارير المنقبضة، وما يشعر الناس بعد الاستماع منه أنهم فقراء إلى الله محتاجون إلى هداياته، لا بصيرة لهم إلا منه، ولا ملجأ إلا إليه (1) . ولن يكون الداعي كذلك، إلا إذا عاش مع القرآن، وانفعل به، لأن القرآن لا يعطي كنوزه وذخائره إلا لأولئك الذين يفتحون قلوبهم لآياته وتوجيهاته، لتأخذ طريقها في واقعهم، فتحول تلك التوجيهات والمبادئ إلى حياة نابضة تمشي على الأرض، وتعيش في دنيا الواقع.

روى الأستاذ عمر التلمساني - رحمة الله عليه - قصة أول لقاء بينه وبين الشهيد حسن البنا - رضوان الله عليه - يقول: إن المرشد سأله: هل تقرأ القرآن؟ فأجابه: نعم، ثم يقول: (أخرجت من جيبي مصحفا صغيرا لِئُأَكِّد له ما أقول) . فسألني، ولماذا تحتفظ به في جيبك؟ فقلت: إنه خير وبركة. فما كنت أعرف من القرآن الكريم إلا أنه كتاب الله، وأنه بركة توضع على الرأس إكبارا، أو في الجيب حراسة، أو في المأتم رحمة، فقال المرشد: ما لهذا نزل القرآن يا عمر، لقد نزل تشريعا يربط بين الدنيا والآخرة، لقد نزل لكي نعمل به في سبيل الله وخير للمسلمين، لا لكي تضعه في جيبك أو لتقرأه وحدك. وزاد المرشد قائلا: وعندما تتمعن في قراءة القرآن وإدراك معانيه، فسوف تجد أن القراءة لمجرد القراءة لا تفيدك، فأنت عبد من عباد الله تقرأ القرآن تقربا لله، وهذا صحيح، وإنما هذا أمر لا يكفي، فالمسألة ليست مسألة بركة فحسب، وإنما العمل بتعاليم القرآن: فهل يرضى الإسلام أن يكون المسلم ذليلا؟ هل يرضى أن يكون المسلم في مؤخرة العالم كله؟ هل يرضى أن يكون حملة كتاب الله على هذه الصورة من التبعية؟ (2) أي فقه هذا؟ وأي وعي؟

صدقت يا إمام .. فإن أعداء الإسلام يخشون أن يجتمع في المسلمين صدق أبي بكر، وعدل عمر، ونبل عثمان، وبسالة علي، وفروسية خالد، وحنكة عمرو، وحلم معاوية، وإقدام ابن الزبير .. إنهم يريدون من المسلمين أن يكونوا إمعات ولا يحبون أن يروا فيهم الكيس الفطن الذي يكشف خبث طويّتهم، كما روى لنا العالم الجليل زاهد الكوثري وكيل شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، يقول:"اجتمع سفير الدولة العثمانية في بلاد الإنجليز مع كبراء الدولة، فقال أحد الكبراء للسفير، لماذا تصرّون أن تبقى المرأة"

(1) كتاب مع الله دراسات في الدعوة والدعاة، للشيخ محمد الغزالي، ص 308.

(2) من مقال للدكتور عبد القادر طامش في مجلة الدعوة السعودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت