وللأسف الشديد، فإن المسلمين اليوم لا يزالون يدعون بعضهم إلى الإسلام، نعم، نحن ما زلنا ندعو المسلمين للإسلام، بينما أصل الدعوة لغير المسلمين، لإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
أقول - ما زلنا نحاول إقناع المسلمين بشمول الإسلام وعمومه بشريعته وشعيرته، بنظامه وأخلاقه، وما زلنا نوضّح ونبيّن ونبرهن، ونقنع المسلمين بالإسلام - أليس هذا من البلاء الشديد؟!
إن النصح للمسلمين واجب لا شك في ذلك، فنذكرهم إذا نسوا، ونَعِظُهم إذا غفلوا، ونُعِينهم إذا وهنوا. أما أن تدعوهم إلى الإسلام؟ فهذه هي الغربة التي أشار إليها رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «سَيَعُوْدَ الْإِسْلَامُ غَرِيْبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيْبًا، فَطُوْبَى لِلْغُرَبَاءِ» (1) .
إن مهام المسلمين دعوة غيرهم لدين الله، يقولون لهم: إن الله ابتعثنا لإنقاذ البشرية من وهدتها وشقائها بحضارتها المادية وتصوّراتها الجاهلية في الاعتقاد والتشريع والنظام: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .
وكم نودّ أن تتسع الدعوة الإسلامية في الأصقاع والبقاع التي لا تعرف عن الإسلام إلا طقوسا وشكليات، فنرشدهم إلى الجوهر والأصل، بل نريد أن تتسع هذه الدعوة لتصل عبر القارات: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [] .
من أجل ذلك، كان لا بد من أن يكون للمسلمين مخطّط شامل منظّم، ومنهج مدروس نواجه به التحدّيات، وندعو به أهل هذا العصر بالأسلوب الذي يقنعه، ونقيم الحجة عليه، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بيّنة. هذا هو واجب المسلمين، ولكن ما يجب أن يكون شيء، وما هو كائن شيء آخر، والواقع الملموس يقول: إننا نشرح للمسلمين -نعم، فهم مسلمون ما نطقوا بالشهادتين وعملوا بحقهما - أقول: ندعو المسلمين، ونبيّن لهم دعوتنا، لأنهم في حاجة إلى عرض الإسلام كله، مع شرح كتابٍ جعله الله تبيانا لكل شيء، وتقريب نبوّة جعلها الله ريادة إلى ميادين الكمال الإنساني كله، وإحاطة بقواعد الدعوة إلى الله، وقد تأسى بأخلاق الداعي الأول رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حتى تنجذب إليه القلوب، وتهوى إليه الأفئدة، وتخضع لخالقها النواصي، ولا تبتغي غير الإسلام دينا، ولا يتمّ ذلك الفهم الشامل إلا إذا تعرّف المسلم على خصائص دعوته، فما هي خصائص دعوتنا؟