فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 244

فبعد النداء الشفيف الندي الرطب: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وهي صيغة فريدة محببة إلى النفس، تشعر الإسنان وهو يؤدي هذه الفريضة أنه ليس بدعا من الناس، ولكن هذا الصيام الذي تصومه، سبقك به الناس قبلك، فتشعر بخفة التكليف، واستطاعة التنفيذ، فلقد حمله قبلك مَن هم مثلك، فهلا أقبلت عليه كما أقبلوا عليه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ويا له من تغيير مريح للنفس، فأنت تصوم شهرا، ولكنه حين التكليف، لم يقل شهرا، إنما قال لك: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ، وقف أمام: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} تشعر ببساطة التكليف ويسره وسهولته، فهو أيام، فَلِمَ لا تنجزها، وَلِمَ لا تصومها، إنها {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} .

ومع أنها {أَيَّام} ، فإن اليسر يزداد، ورفع الحرج يتضح حين يكون المسلم مريضا، أو على سفر، {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} ، فأي يسر هذا، إنه منهاج ربي يعلمنا كيف نيسر للناس حين ندعوهم.

وفي الحج: وكم تدور معارك كلامية في أيام الحج عن مناسكه، ويكثر المتفيقهة والمتعالمة، وكم من شدة في الأحكام نراها في أيامه، وكأن التعسير على المسلمين أمر مطلوب، واسمع إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم: زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج، قال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: لا حرج، قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: لا حرج، وفي رواية أخرى، سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: رميت بعد ما أمسيت، فقال: لا حرج، قال: حلقت قبل أن أنحر، قال: لا حرج. وفي رواية أخرى: فما سئل يومئذ عن شيء قال: افعل ولا حرج (1) .

قال بعض العلماء: مخالفة الترتيب مخالفة للسنة، وقال ابن حزم: ما أخطأوا السنة، ولا خالفوها، لأن ما أباحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ير فيه حرجا، فهو سنة، لكن تركوا الأفضل فقط (2) .

فأنت ترى - أخي الداعية - أن المسألة خلافية بين السنة والمباح، لا بين الواجب والمباح والأفضلية في الفعل، فعلى الداعي ألا يحرج الناس إذا قدموا أو أخروا، ولا يعسر، وله في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة.

وفي الجهاد: اقرأ معي هذه الآيات، وتدبر منهج القرآن في الدعوة للجهاد في سبيل الله، بأسلوب يرسي العقيدة، ويحبب في بذل النفس رخيصه في سبيل الله، حتى تصبح أسمى الأماني. يقول ربنا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ

(1) البخاري (3/ 559) .

(2) المحلى لابن حزم (7/ 262) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت