الإسلام، وإلى تطبيق منهجه، واعتناق عقيدته، وتنفيذ شريعته. والدعوة إلى الله - عزّ وجلّ - التي أهملها المسلمون في زماننا هذا فريضة حملها رسل الله الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - كما حمّلها أتباعهم الصادقون الذين اقتفوا أثرهم من بعدهم واقتدوا بهم في منهجهم وسلكوا سبيلهم. ولم يتقاعسوا عن السير بها في طريقها الذي حدّده المولى بالرغم من المخاطر والمكاره التي تحيط بها، لأنه الواجب الذي لا خيار فيه، وحبّهم لهذا الطريق وصدق الإيمان به يهون كل بلاء ويسهل كل صعب، ويؤكد الوصول للغاية المنشودة.
والدعاة إلى الله يعلمون أن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة، منوطة بالرسل، وبأتباعهم من بعدهم، وعلى أساس تبليغهم هذا الأمر للبشر تقوم سعادتهم أو شقوتهم، ويترتب عليه ثوابهم أو عقابهم في الدنيا والآخرة، ومِن ثَمَّ كان الرسل - عليهم الصلاة والسلام - يحسّون بجسامة ما يكلفون به، وكان الله - عزّ وجلّ - يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزّمل: 5] .
وهذا القول الثقيل يحتاج إلى تهيئة واستعداد وزاد للطريق يتزّود به الداعي ليواصل المسير في معيّة الله - سبحانه وتعالى - ولذلك قال المولى لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزّمل: 2 - 4] .
"إنه الأمر الهائل العظيم .. أمر رقاب الناس .. أمر حياتهم ومماتهم .. أمر سعادتهم وشقائهم .. أمر ثوابهم وعقابهم .. أمر هذه البشرية، التي إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة. وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة. وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها، وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ! فأما رسل اللّه - عليهم الصلاة والسلام - فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة، ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل .. وهم لم يبلغوها دعوة باللسان، ولكن بلغوها - مع هذا - قدوة ممثلة في العمل، وجهادا مضنيا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق .. سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزين، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين. كما صنع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خاتم النبيين. بما أنه المبلغ الأخير. وبما أن رسالته هي خاتمة الرسالات. فلم يكتف بإزالة العوائق باللسان."
إنما أزالها كذلك بالسنان {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] " (1) ."
وبقي الواجب الثقيل على من بعده، على المؤمنين برسالته، فهناك أجيال وراء أجيال
(1) في ظلال القرآن (6/ 30) لسيد قطب.