ولذلك، حينما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة تتكلف في عبادتها لربها، نهاها عن ذلك، فعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة، قال: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: فُلَانَةٌ - وفي رواية: لَا تَنَامُ وَتُصَلِّيْ - قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيْقُوْنَ، فَوَاللهِ، لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا» (1)
فهل تأملت هذه الأحاديث؟ إنها تنبهك إلى عدم التكلف والإفراط على نفسك أنت أيها الداعي. فما بالك بمن تدعوه؟ ألا ليت الشباب يسلك سبيل اليسر مع الناس ولا يكلفهم ما لا يطيقون! فكم من القضايا يفاصل فيها الشباب الناس، ويشددون، بل ويعسرون عليهم حتى يجعلوها وكأنها من الأصول، كقضية الشرب وقوفا، والتبول قائما، فلربما يكون المدعو أول مرة يدخل فيها المسجد، بل أول مرة يتوضأ فإذا بال واقفا، أو شرب قائما، شيع بالنظرات القاسية، والتوجيه الغليظ، ولعل ذلك يكون سببا في تركه الصلاة، أو عدم دخوله المسجد مرة أخرى من القسوة والغلظة، والتعالي والتعالم اللذين يقابل بهما!
وهذا صحابي جليل هو أبو موسى الأشعري، يحكي عنه أبو وائل، أنه كان يشدد في البول ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه، فقال حذيفة: ليته أمسك، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سباخه قوم، فبال قائما (2) .
فأنت ترى قول حذيفة - رضوان الله عليه: ليته أمسك، حين شعر بشدة أبي موسى وقال: إن الأمر ليس هكذا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبول قائما. وفي رواية لمسلم: إذا أصاب جلد أحدهم، وقال الإسماعيلي: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد.
واحتج حذيفة بهذا الحديث، لأن البائل عن قيام قد يتعرض للرشاش، ولم يلتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الاحتمال، فدل على أن التشديد مخالفة للسنة (3) .
وما أروع ما ترجمه الإمام البخاري تحت عنوان: جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور.
أي فقه هذا - يا شباب الإسلام - اقرؤوا - زادكم الله علما وفقها - فَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: آخَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا،
(1) البخاري (1/ 101) باب: أحب الدين إلى الله أدومُه.
(2) سنن أبي داود، والبخاري.
(3) البخاري (1/ 230) ، كتاب الوضوء.