عاتقة (1) النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أثرت به حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء"."
بالله عليك، ماذا يصنع الشباب الذين يدعون إلى الإسلام لو أن هذا الموقف حدث معهم، إن النتيجة الحتمية في أحسن تقدير وحسن ظن أن يجبذه كما جبذه، بل ربما يضربه، وسيجد الدليل على فعله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] ، هكذا يقول، وينسى أو يتناسى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ ... } [النحل: 126 - 127] ، نعم، ينسى أو يتناسى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .
هذا خلق الداعي إن أراد أن يدعو إلى الله على بصيرة، وإلا، فليتنحّ عن الدعوة إلى الله حتى لا يسيء إلى إسلامه.
فهل أزيدك موقفا آخر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تحسن إلى الناس إن أساءوا إليك، ولا تكن فظا غليظ القلب فينفض الناس من حولك، فاسمع إلى ما جاء في الصحيح:
أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا فأعطاه، ثم قال: «أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ» ؟ قال الأعرابي: لا أحسنتَ، ولا أجملت. فغضب المسلمون وقاموا إليه (وكادوا أن يوقعوا بالرجل) ، فأشار إليهم - عليه الصلاة والسلام - أن كفوا، ثم قام ودخل منزله، وأرسل إليه - صلى الله عليه وسلم - وزاده شيئا، ثم قال «أَأَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟» قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ، وَفِيْ نَفْسِ أَصْحَابِيْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ مَا قُلْتَ بَيْنَ يَدَيَّ، حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِيْ صُدُوْرِهِمْ عَلَيْكَ» ، قال الأعرابي: نعم,
فلما كان الغد، أو العشي، جاء الأعرابي، فقال - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قَالَ، فَزِدْنَاهُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ. أَكَذَلِكَ؟» قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مِثْلِيْ وَمِثْلُ هَذَا مِثْلُ رَجُلٍ لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَأَتْبَعَهَا النَّاسُ، فَلَمْ يَزِيْدُوْهَا إِلَّا نُفُوْرًا، فَنَادَاهُمْ صَاحِبُهَا: خَلُّوْا بَيْنِيْ وَبَيْنَ نَاقَتِيْ، فَإِنِّيْ أَرْفُقُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْلَمُ، فَتَوَجَّهَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا، فَأَخَذَ لَهَا مِنْ قِمَامِ الْأَرْضِ، فَرَدَّهَا، حَتَّى جَاءَتْ وَاسْتَنَاخَتْ، وَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا وَاسْتَوَى عَلَيْهَا. وَإِنِّيْ لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ، فَقَتَلْتُمُوْهُ، دَخَلَ النَّارَ» (2) .
ألا، ما أحلمك، وأحكمك، وأعلمك يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
إن الداعي الماهر هو الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولكن يتقبلهم على علاتهم وعلىى ما هم عليه، فلا ينفر منهم، ولا يسخر من أفكارهم، بل يتسع صدره لما يقول بابتسامة لا تفارق محياه، حتى ولو كان المدعو متغطرسا، شرس الطباع، فإنه يستثير
(1) صفحة عاتقة: ما بين العنق والكتف.
(2) الشفا للقاضي عياض (1/ 93) .