فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 244

سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: «مَا يَكُوْنُ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يَغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (1) .

أرأيت كيف يتعامل - صلى الله عليه وسلم - مع النفوس؟ قوم يعطيهم المال والعطايا، وقوم يعلمهم العفاف والغني، والصبر والرضى، ألم يقل للأنصار يوم أن منع بعضهم بعض العطايا: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَا تُحِبُّوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْمَالِ، وَيَبْقَى لَكُمْ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، اَللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، لَوْ سَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، وَسَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا آخَرَ، لَأَخَذْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ» ، أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -.

فأي رضى يصيب الأنصار بعد هذه الكلمات المطمئنة للنفس، والمفرحة للقلب، الشارحة للصدر، ومع منعه للأنصار، فإن عطاءه لغيرهم لا حدّ له، فلقد «جَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوْان فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَعْطِيْ عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ» ، وإن كان الرجل ليسلم لا يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها!! (2) فكان هذا من هديه - صلى الله عليه وسلم: كان كما روى بلال - رضي الله عنه - إذا أتاه إنسان مسلما، يراه عاريا يأمرني، فأنطلق، فأشتري له البردة والكسوة وأطعمه، وكان يوصيني قائلا: أنفق بلالا ولا تخشى من ذي العرش إقلالا (3)

أخرج البيهقي عن جرير بن عبد الله قال: بعث إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يَا جَرِيْرُ، لِأَيِّ شَيْءٍ جِئْتَ؟» قُلْتُ: أُسْلِمُ عَلَى يَدَيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: فَأَلْقَى إِلَيَّ كِسَاءَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» ، ثُمَّ قَالَ: «يَا جَرِيْرُ، أَدْعُوْكَ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُن وَأَنِّيْ رَسُوْلُ اللهِ، وَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِ وَشَرِّهِ، وَتُصَلِّي الْمَكْتُوْبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوْضَةَ» فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرَانِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي (4) .

ولا يقف عطاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند من يعطيهم برغبته أو أصحاب الأخلاق الفاضلة، بل يتعدى عطاؤه من يعامله بغلظة، بل ومن يتطاول عليه، لا أقول: باللسان، بل باليد أيضا، ومع هذا، لا يزيده إلا حلما، فيدفع بالتي هي أحسن السيئة، فإذا الذي بينه وبينه عداوة كأنه ولي حميم .. إنه قانون الله، وسنته في تأليف القلوب.

روى الشيخان عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة

(1) متفق عليه.

(2) مسلم عن أنس - رضي الله عنه -

(3) الأشراف لابن المنذر (1/ 442) .

(4) البداية (5/ 78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت