قال الإمام البخاري بسنده: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرنا عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى رهطا .. وسعد جالس، فترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا هو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله، إني لأراه مؤمنا، فقال: أو مسلما فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله، إني لأراه مؤمنا، فقال: أو مسلما، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «يَا سَعْدُ، إِنِّيْ لَأًعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ» (1) .
ومحصل القصة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام، تألفا، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة قلوبهم، وترك جعيلا بن سراقة الضمري، وهو من المهاجرين، مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره، لأنه كان يرى أن جعيلا أحق منهم، لما اختبره منه دونهم، ولهذا، راجع فيه أكثر من مرة، فأرشده النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أمرين:
1 -إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جعيل، مع كونه أحب إليه ممن أعطى، لأنه لو ترك إعطاء المؤلف، لم يؤمن ارتداده، فيكون من اصحاب النار.
2 -إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، فوضع بهذا فائدة رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - على سعد، وأنه لا يستلزم محض الانكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة، والآخر عن طريق الاعتذار (2) .
وأنت ترى حكمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتعليمنا فقه الدعوة بأن تألف القلوب ببعض العطايا والهدايا ليعم الخير، ويسود الحب بين الجميع، وكان - صلى الله عليه وسلم - خبيرا بالنفوس، فيعطي هذا، ويمنع ذلك، ثم يبين لأصحابه حكمة العطاء والمنع.
حدثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بمال - أو بسبي - فقسمه، فأعطى رجالا، وترك رجالا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فوالله، إني لأعطي الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكن أعطي أقواما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وَأَكِل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب، فوالله، ما أحب أن لي بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم (3) .
وكان عطاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينفد، فما سأله أحد إلا أعطاه، فعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري - رضي الله عنه: أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم، ثم
(1) البخاري (1/ 79) حديث [27] .
(2) البخاري (1/ 79) حديث [923] .
(3) البخاري (2/ 403) حديث [923] .