الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1 - 3] . فدل ذلك أيضا على أن الإنسان في خسران مبين إلا إذا تحلّى بالإيمان والعمل الصالح وتواصَى بالتمسك بالحق والجهر به صابرا على ما يصيبه من بلاء من جرّاء هذا الطريق الذي سلكه، لأن الإسلام لا يظهر ولا يسود إلا بدعوة وتبليغ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وخلاصة القول: إن في زماننا هذا - كلُّ مخاطب (مسلم ومسلمة، بالغ عاقل) ، فهو مكلّف بهذا الواجب، وليس هذا التبليغ مقصورا على العلماء - كما يفهم العامة من المسلمين -، فإن كلَّ مسلم مطالبٌ أن يبلّغ ما فهمه وعلمه. أما العلماء، فهم يختصّون بجانب التبليغ التفصيلي والأحكام الشرعية والمعاني التي يحتاج إليها عامة المسلمين، نظرا لسعة علمهم بذلك ومعرفتهم للجزئيات: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] ، فالدعوة - كما رأينا - فريضة شرعية لا يماري في ذلك مسلم.
وكما أن الدعوة إلى الله فريضة شرعية، فإنها أيضا ضرورة اجتماعية، وذلك للأسباب الآتية:
أولا: الناس في حاجة إلى مَن يبيّن لهم ما أمر الله به، ليقيم الحجة عليهم. وهذه مِن مهمّات رسل الله - عليهم الصلاة وأزكى التسليم -. إذ لا عقوبة دون نذارة. وصدق الله إذ يقول: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6] . ويقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] . فكان لا بد من دعوة الناس ليحيا مَن حيّ عن بيّنة، ويهلك مَن هلك عن بيّنة.
ثانيا: دنيانا التي نعيش فيها، فيها مِن نوازع الشر والمطامع والأهواء الكثير، و أصحاب هذه النوازع يودّون أن يشيع كل ذلك في المجتمع، ليكون الجميع سواء، فهم يدعون إلى فسادهم، ويحبّون أن تشيع الفاحشة في مجتمعاتهم من باب: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89] . ولذلك، فإنك ترى هؤلاء يتعاونون مع بعضهم البعض: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] . فكان لا بد من أن يتعاون أهل الإيمان على الخير لينتشر، وعلى الفضيلة لتسود، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] .
إذ لا بد من مواجهة المفسدين في الأرض، حتى يخرّ عليهم سقفهم من فوقهم