ويصبحون {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92] ، وهذا لا يتمّ إلا بوجود القائمين بالدعوة إلى الله - عزّ وجلّ -، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإلا، فسوف يخرق السفهاء السفينة التي نركبها جميعا، إشباعا لشهواتهم ورغباتهم، وحينئذ لا ينجو أحد ممن على ظهرها، كما جاء ذلك في الحديث النبوي الشريف. فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم: قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (1) .
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25] . قال ابن كثير عن ابن عباس - رضي الله عنهما: أنه قال:"أمر الله المؤمنين أن لا يُقِرُّوا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمّهم الله بالعذاب".
ثالثا: لا شك أن نهاية الأمة وهلاكها بفسوق مترفيها وكثرة الخبث بين أرجائها، فلا تجد مَن يأمرها بمعروف، ولا ينهاها عن منكر، فلا يسمع الظالم كلمة حق تقال، فيسود الظلم، ووتشيع الفاحشة، ويعلو المنكر علوّ الزبد على الماء، إذ أن قوة الأمة في تمسّكها بالحق، وإقامتها للعدل. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: «إِذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِيْ تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُوْلَ لَهُ:"أَنْتَ ظَالِمٌ"فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ» (2) .
رابعا: الخوف من لعنة الله أن تَحَلَّ بالمجتمع الذي لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، كما حلّت ببني إسرائيل من قَبْلُ. فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ، فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ» ، ثُمَّ قَالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... } إِلَى قَوْلِهِ { ... فَاسِقُونَ} [المائدة: 81] ، ثُمَّ قَالَ: «كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا» (4) ، وفي رواية: «أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بِقُلُوْبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لِيَلْعَنَكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ»
(1) البخاري، كتاب الشركة (3/ 182) ، والترمذي، كتاب الفتن 470، وأحمد (4/ 268) .
(2) (3) مسند الإمام أحمد (2/ 163) .
(4) رياض الصالحين للنووي، ص 106.