فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 244

"ولو كان الرسل من غير البشر لا يأكلون الطعام ولا يمشون في الأسواق، ولا يعاشرون النساء، ولا تعتلج في صدورهم عواطف البشر وانفعالاتهم، لما كانت هناك وشيجة بينهم وبين الناس، فلا هم يحسون دوافع البشر التي تحرّكهم، ولا البشر يتأسّون بهم ويقتدون".

"وأيما داعية لا يحسّ مشاعر الذين يدعوهم ويلهب ظهورهم بالسياط ويلقى على رؤوسهم الأحجار، ويؤذي مسامعهم بالألفاظ، فإنه لا يتجاوب معهم ولا يتجاوبون معه، ومهما سمعوا من قوله، فلن يحركهم للعمل بما يقوله، لما بينه وبينهم من قطيعة في الحس والشعور، وأيّما داعية لا يصدق فعله قوله، فإن كلماته تقف على أبواب الآذان، ولا تتعدّاها إلى القلوب، فمهما تكن كلماته بارعة، وعباراته بليغة، فالكلمة البسيطة الصادقة التي يصاحبها الانفعال، ويؤيدها العمل هي الكلمة المثمرة التي تحرك الآخرين إلى العمل" (1) .

إن أولى خطوات النصر وبشائره أن تهزم عدوّك من داخله هزيمة نفسية، وأن تشعره بانتصارك عليه، إذ إنه يريد أن يبعدك عن سبيل الله، ويدعوك إلى حزبه: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89] ، فإن استجبت له فقد انتصر عليك، فثباتك على الحق الذي تدعو إليه هو هزيمة له وانتصار منك عليه، وما قصّه أصحاب الأخدود منا ببعيد، وقصة الغلام الذي قال للملك: أتريد أن تقتلني - وهو ثابت على الحق - أدخل الناس في دين الله أفواجا وقالوا: آمنا برب هذا الغلام (2) .

بل أي انتصار هذا الذي نراه من مؤمن يس، فبعد ما قتله قومه قال: {يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26 - 27] .. إنه الثبات الذي عاقبته فلاح في الدنيا، وفوز في الآخرة (3) .

فلنعمل والأمل يدفعنا، واليقين إلى تحقيق النصر رائدنا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرشدنا، ليتحقق حينئذ قول ربنا: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14] .

لا شك أن حركة الداعية حركة واسعة، وانتشاره كبير، واتصالاته كثيرة، وهو لا شك يلتقي بأنواع كثيرة من البشر، كل له مزاجه، وثقافته، واطلاعه. فلا بد للداعي أن يشبع هذه الثقافات ويلمّ بشيء منها، سواء كان دينيا أو فكريا، أو سياسيا، أو حركيا، ولا ينفي هذا مبدأ التخصص، فالتخصص في زماننا أمر لا بد منه، حتى لا تكون بدعا من الناس،

(1) الظلال (4/ 2368) بتصرف.

(2) راجع تفسير سورة البروج من ابن كثير.

(3) راجع تفسير سورة يس من ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت