فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [الصافات: 147 - 148] .
فأنت ترى نبي الله يونس دعا قومه مرات ومرات، لكن ضاق صدره منهم، فخرج يلتمس قوما آخرين، فكان هذا الدرس الرباني الذي يجب على الدعاة أن يعوه جيدا،"ألا وهو تكرار الدعوة مرات ومرات"، فإن لم يستجيبوا فقل لنفسك: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] ، «وَالْقُلُوْبُ بَيْنَ إِصْبِعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كِيْفَ يَشَاءُ» ، ولا تضيق صدرا بالناس، وفي المرة التي لا يستجيبون فيها، قل لنفسك:"لعلهم يستجيبون في المرة التالية"، ولا تيأس من روح الله، {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .
هذان مثلان من القصص القرآني، أكتفي بهما، ولعلك - يا أخي المسلم - لو عشت القصص القرآني ومعانيه ومراميه، لوجدت فيه الكثير من الدروس المستفادة: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ} [هود: 120] .
فعش مع إبراهيم، لترى بِرَّه بوالده وأهله، فعش مع يوسف، لترى مدى صفحه ومسامحته لإخوته، وعش مع مؤمن يس، ومؤمن فرعون .. عش مع هؤلاء الدعاة إلى الله، لترى تلطفهم وصبرهم وجهدهم، لنتعلم جميعا منهجا تركه لنا رسل الله الكرام وأتمه وأكمله و ... رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ليكون لنا نبراسا ونورا نهتدي به، ونحن نسير طريق الله.
وأخيرا، فإننا نقول للذين لا يأملون الخير في مجتمعهم، ويشعرون باليأس، لأنهم لا يرون فيه إلا سوادا حالكا، وظلما بيّنا، وكفرا بواحا. نقول لهؤلاء الذين لا همّ لهم إلا الحكم بالكفر تارة، وبالفسق تارة أخرى، يجب ألا يشغلهم هذا الحكم، فضلا عن أن يرموه في وجوه الناس دون فقه، فنحن دعاة ولسنا قضاة، ونحن للدعوة عمالها، ولسنا علماءها، فيجب على الداعي وهو يدعو الناس أن يستشعروا الخوف على نفسه أولا، ولا يخشى على الإسلام، فإن الإسلام له ربّ سيحفظه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .. } [الحجر: 9] ، فاخش على نفسك ألا تتشرف بالانتساب إلى الكتيبة التي سيجري الله النصر على أيديها؛ لأن الإسلام سينتصر بجماعة إن لم تكن بك فبغيرك، وأنت إن لم تكن بهم، فلست بغيرهم: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] .. فالنصر محقق بإذن الله، لكنه يحتاج إلى العمل الدؤوب، والدعوة المستمرة، ومخالطة الناس، ومعايشتهم، ومشاركتهم مشاعرهم وإحساساتهم.
وكذلك أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يكون الرسل الكرام من البشر يعيشون حياة البشر، فتكون حياتهم الواقعية مصداق شريعتهم، وسلوكهم العملي نموذجا حيًّا لما يدعون إليه الناس، يتأثر الناس بأخلاقهم، وسلوكهم، ويتحملون ويصبرون ويجاهدون، حتى يجري الله النصر على أيديهم.