النصر: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 - 46] .
فإذا أخذ المسلمون بالأسباب، وأعدّوا ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل، نصرهم الله من قلة وضعف، وأوحى إلى ملائكته ليثبتوهم: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] .
ولن يتحقق ذلك إلا إذا:"أخضعوا أحداث الزمان لكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولسنة رسول هي تبيان لكل شيء، مهما تراءى للناس أن الدنيا لا تحتمل هذا الإخضاع؛ لأن الدين هو السنة التي وضعها الله للناس، كما وضع السنن الكونية الأخرى للشمس والقمر والحيوان والنبات، وكل ما في الأرض وما عليها" (1) .
فمن حاول أن يخرج على سنة الله فمصيره مصير الكوكب الذي يخرج عن مداره سرعان ما يسقط من عليائه إلى الأرض فيخبو نوره، وتدوسه الأقدام، وتهوى به الريح في مكان سحيق.
إن إيماننا بأن المستقبل لهذا الدين يمنحنا الأمل الذي يدفعهنا إلى العمل الجاد للوصول إلى النصر الأكيد، ولن يكون ذلك كذلك، إلا إذا ارتفعنا إلى مستوى هذا الدين، نعم، نرتفع إلى مستواه في حقيقة إيماننا، ونرتفع إلى مستواه في حقيقة عباداتنا، ونرتفع إلى مستواه في معاملاتنا وأخلاقنا، ونرتفع إلى مستواه في وعينا بما حولنا ومعرفتنا لأساليب عصرنا: «ورحم الله رجلا عرف زمانه واستقامت طريقته» .
إنه نصر يحتاج إلى جهاد طويل - أقول: جهاد، ولا أقول قتال - لأن جسامة التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين في هذه الحقبة كبيرة: «وُكُلُّكُمْ عَلَى ثَغْرٍ مِنْ ثُغُوْرِ الْإِسْلَامِ، فَاللهَ، اللهَ أَنْ يُؤتَى مِنْ قِبَلِهِ» ، فالتزامك بالإسلام التزاما حيا، وإلزامك أهلك به، وتعليمه للناس، ونشره وتبليغه، وتربية المدعوين عليه، وعدم البخل بوقتك ومالك وكل ما تملك لهذه الدعوة، كل ذلك جهاد في سبيل الله، والصابر على ذلك حتى يتحقق نصر الله الموعود من المجاهدين الصادقين.
لذلك،"فإن الدعاة اليوم هم طلائع النور في أمة طال عليها الليل، وبوادر اليقظة في أمة تأخر بها النوم، وأمل العالم في عصر أجدبت فيه الدنيا من رسل الرحمة واليقين"
(1) مجلة الدعوة، عدد 52، من مقال الإمام الجليل الأستاذ حسن الهضيبي، المرشد العام للإخوان المسلمين.