فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 244

ذلك مرات، ثم اضطر بعد ذلك - صلوات الله وسلامه عليه - أن يعيّن بالاسم من ينهض، فنادى حذيفة بن اليمان، فحقق بذلك عذرهم عند ما لم يعين أحدًا بذاته، كما حقق أيضا الحرص على ودّهم بستره عليهم وعدم إشهار عجزهم، وحقق أخيرا نجاتهم به بالأخذ بأيديهم وتقوية ضعيفهم حين قال: من يقوم وأضمن له العودة.

وقام حذيفة بن اليمان وهو لا يكاد يتماسك من البرد، بل ومن الاضطراب أيضا حين عجز أولا عن النهوض، ولكن ما إن همّ بالقيام حتى مسح الله على قلبه وتجدد عزمه ومضى إلى غايته راشدا، فيسر الله له من أمره بعد ذلك ما أقرّ به عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عاد ومعه نبأ عزم الكفار على الرحيل بعد أن تكفأت قدورهم بريح عاتية أرسلها الله عليهم وكفى الله المؤمنين قتالهم (1) .

الصبر من أبرز الأخلاق القرآنية التي عنى بها الكتاب العزيز، وهو أكثر خلق تكرر في القرآن؛ لأنه لا إيمان لمن لا صبر له، وإن وجد فإيمان ضعيف، وصاحبه ممن يعبد الله على حرفٍ: إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة. ولذلك، جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصف الإيمان، إذ الإيمان نصفه شكر، ونصفه صبر، وهو أحد أطباق السعادة، كما يقول ابن القيم: أطباق السعادة ثلاثة:

1 -إذا أنعم عليه شكر.

2 -وإذا ابتلي صبر.

3 -وإذا أذنب استغفر.

ولأن النفس الإنسانية لها قوتان: قوة إقدام، وقوة إحجام، لذلك، كانت حقيقة الصبر أن تجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعك، وقوة الإحجام إمساكا عما يضرّك، فيتحلّى المسلم بصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فتبرز الأخلاق العالية التي تطبع المجتمع وتصبغه بصبغة الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} ،

-فالصبر على شهوة البطن يطبع صاحبها بخلق شبع النفس وشرها، فيخلو المجتمع من الشره والدناءة ووضاعة النفس،

-والصبر على شهوة الفرج المحرمة تطبع صاحبها بالعفة، فيخلو المجتمع من الفجور والزنا والعهر،

-والصبر على الإنفاق في موضعه يطبع صاحبه بالكرم والجود، فيخلو المجتمع من البخل والطمع،

-والصبر على فضول العيش يطبع صاحبه بالزهد، فيخلو المجتمع من الحرص على جمع المال بأي ثمن.

(1) من بحث مقدّم للندوة العالمية للشباب الإسلامي:"الحرية مدخل إلى الدعوة الإسلامية"، للأستاذ صلاح شادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت