فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 244

الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ [القلم: 48] .

وقول ربنا: {فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا} [الأنعام: 34] تدلّ على أن رسل الله لم يرفعوا يدًا دفاعا عن النفس أو انتقاما لذواتهم، بل تحلّوا بخلق الصبر، واعتصموا بسكينة النفس، وكفّوا أيديهم واقتربوا من ربّهم، فأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، ومع شدة هذا البلاء فإنهم قالوا: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] ، فسلاح المؤمنين على لَأْوَاءِ الطريق وبلائه القربى إلى الله، والصبر على الشدائد، وصدق الله إذ يقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] ، إنه لخلق الذي لا يستطيع أن يستغني عنه مؤمن فضلا عن أن يكون داعية إلى الله.

فإذا كان الصبر ضروريا لأي إنسان، لا سيّما المسلم، فإنه بالنسبة للداعي أشد ضرورة له من غيره؛ لأنه يعمل في ميدانين ميدان نفسه، يجاهدها ويحملها على الطاعة، ويمنعها من المعصية، وميدان خارج نفسه، وهو ميدان الدعوة إلى الله، ومخاطبة الناس في موضوعها ومخالطتهم، لأن المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.

ولذلك، فالداعي يحتاج إلى قدر كبير من الصبر في المجالين: مجال النفس، ومجال الدعوة، حتى يستطيع أن يتجاوز العقبات، ويتحمّل الأذى، فإن فقد الصبر أو انسحب من الميدان، وحق عليه الحساب، وفاته الثواب (1) .

لا بد أن يشعر المدعو بحرص الداعي عليه، فهذا الشعور يفتح قلبه، ويستشير عواطفه، فإذا به أذن مصغية لما يسمع، ولذلك وجدنا القرآن يذكر أهل مكة بهذه الصفة التي برزت في تعامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، وهو - عليه الصلاة والسلام - الذي كان يقول لهم:"أنتم تلقون بأنفسكم في النار، وأنا آخذ بِحُجُزِكُم".

والداعي إلى الله قد يشتدّ حرصه على من يدعو، ولكنه لا يتلهّف على نتائج عمله، وثمرة جهده: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} ، وقد يحزن لانصراف الناس عنه وبعدهم عن دعوته، ولقد غمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الشعور: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] ، لكن المولى - سبحانه وتعالى - وهو يصنعه على عينه، لكي يخفّف عنه هذه المشاعر ذكره بأن معقّب القلوب والأبصار هو مقلّب الليل والنهار: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت