فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 244

مثلا مقطب الجبين، مكفهر الوجه، عبوسا قمطريرا، لا يعرف بسمة على شفتيه، لا يرحم صغيرا، ولا يوقر كبيرا، ينهر أمّه، ويغلظ على أبيه، يقاطع أخاه، ويسبّ أخته، يكرم صديقه، ويسفّه أخاه، لا تراه إلا محتقرا لمن يراه، خاصة إذا خالفه الرأي، وكأني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني هؤلاء حين أخبرنا بعلامات الساعة فقال: «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِيْ خَمْسَ عَشَرَةَ خَصْلَةً، حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ» ، فَقِيْلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ المَغْنَمُ دُوَلًا (1) ، وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ فِي المَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ القَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الخُمُورُ، وَلُبِسَ الحَرِيرُ، وَاتُّخِذَتِ القَيْنَاتُ (2) وَالمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا وَمَسْخًا» (3) .

فلا بد للداعي أن يشعر المدعو بعاطفته نحوه، ويشعره بأنه له، لا لغيره، ولن يكون عليه يوما من الأيام، فأنت منه كالوالد العطوف على ولده، فإن قساه القلوب ينفرون الناس ولا يجذبونهم، فيفرقون ولا يجمعون.

واسمع إلى أبي سعيد الحسن البصري يقول:"إن عائذ بن عمرو - رضي الله عنه - دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بنيّ، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِنَّ شَرَّ الرُّعَاءُ اَلْحُطَمَةُ» (4) ، فإياك أن تكون منهم. فقال له: اجلس، إنما أنت من نخالة (5) أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم. فإياك أن تكون من الحطمة، وحاول أن تؤلف القلوب حتى يجري الله الخير على يديك. وكأني بك تسأل، وكيف السبيل إلى تحقيق ذلك؟"

لكي نؤلف القلوب - بتوفيق الله - يجب أن نراعي أمورا، منها:

أولا: شعور المدعو أنك تدعوه إلى مبدأ لا إلى نفع شخصي

أولى خطوات النصر ثباتك على ما تدعو إليه مهما أصابك من مكروه، فشعور مَن تدعوهم بأنك لا تريد منهم جزاء ولا شكورا إنما نريد لهم الخير كل الخير، فتراهم يلقون بأنفسهم في النار وأنت تأخذ بحجزهم، فإن عرض عليك مال أو جاه أو مركز أو سلطان، قلت: والله، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه. وكأن القرآن يخاطبك: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الزخرف: 43] ، فإن رأى المدعو فيك المبدأ والقيمة، وشعر بأن المبدأ حبيب

(1) إذا صار مال الدولة وقفا على أناس دون آخرين.

(2) المغنيات.

(3) رسالة المهدي وأشراط الساعة للشيخ محمد علي الصابوني، ص 22.

(4) العنيف في رغبته، وهذا الحديث رواه مسلم.

(5) النخالة: السقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت