وعن عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ» - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ - بِكُفْرٍ، «لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ» ، فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
وفي الحديث معنى ما ترجم له البخاري أن قريشا كانت تعظم أمر الكعبة جدا، فخشي - صلى الله عليه وسلم - أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيّر بناءها، لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويستفاد منه:
ومنه: ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وإن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، وإن كان مفضولا، ما لم يكن محرما (1) .
وأزيدك عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا المَجْلِسَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لاَ أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلاَ بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ» . قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلاَ - يقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر الصديق - قَالَ: «هُمَا الرَّجًلَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا» (2) .
والحديث يبيّن أن عمر - رضي الله عنه - أراد أن يجمع الذهب والفضة التي أهديت للكعبة فيقسمها على منافع المسلمين، فقيل له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر لم يفعلا ما تريد، فلما ذكر له ذلك، أمسك.
وفي هذا الأمر أقول، منها: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتمل ترك ذلك رعايةً لقلوب قريش، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ويزيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق حديث عائشة في بناء الكعبة: «لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ» .
واسمع إلى ما ترجمه البخاري تحت هذا الباب:
قال علي - كرم الله وجهه:"حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ"، والمراد بـ"مَا يَعْرِفُوْنَ"أي: ما يفهمون، وزاد في رواية:"وَدَعُوْا مَا يُنْكِرُوْنَ"، أي: يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه:"مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيْثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُوْلُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً" (3) .
واسمع إلى ما رواه البخاري عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ رديفه على الرحل - قال: «يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ» ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ (ثَلَاثًا) .
(1) البخاري، (1/ 224) .
(2) البخاري، كتاب الحج (3/ 456) .
(3) رواه مسلم.