فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 244

حدثنا محمد بن يوسف، قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلنا بالموعظة في الأيام، كراهية السآمة علينا.

ويفهم من هذا الحديث: مراعاة الأوقات، ولا يفعل ذلك كل يوم، لئلا نملّ.

وقال الشارح في البخاري: ويستفاد من الحديث: استحباب ترك المداومة في الجد في العمل الصالح، خشية الملل، وإن كانت المواظبة مطلوبة، لكنها على قسمين: إما كل يوم مع عدم التكليف، وإما يوما بعد يوم، فيكون يوم الترك لأجل الراحة، ليقبل على الثاني بنشاط (1) .

ولذلك يقول أبو وائل:"كان عبد الله يذكّر الناس كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددتُ أنك ذكرتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم، وإني أتخوّلكم بالموعظة، كما كان يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّلنا مخافة السآمة علينا" (2) .

ولقد نهى الشارع الحكيم عن تكلف ما لا يطاق؛ ليستمر السير في الطريق بيسر، فبعض الدعاة يكلفون المدعو ما لا يطيق مما يجعله ينفر من الدعوة أو يهرب من مشاق الطريق، فتراهم يأمرونهم بالفرائض والسنن، بل والنوافل والتطوع دفعة واحدة، ويلومونهم إن هم فرطوا في فضيلة من الفضائل وينسون أن الداعي عليه أن يأخذ بالعزيمة ويدع الناس يترخصون حتى يزدادوا إيمانا، فيستعذبون العذاب في سبيل الله ويأخذوا بالعزائم بعد ذلك.

عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأي شيخا يُهادى بين ابنيه قال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني، وأمره أن يركب، وأيضا من حديث مالك عن حميد بن قيس وثور أنهما أخبراه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا قائما في الشمس، فقال: «مَا بَالُ هَذَا؟» قَالُوْا: نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُوْمُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ وَيَتَكَلَّمَ وَيَصُوْمُ وَيُفْطِرُ (3) .

ولقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال لما فيه من عنت ومشقة والدين يسر فلم نعسّر ما يسره الله.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» - مَرَّتَيْنِ - قَالَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟! قَالَ: «إِنِّيْ أَبِيْتُ يُطْعِمُنِيْ رَبِّيْ وَيَسْقِيْنِ، فَاكْلُفُوْا (4) مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيْقُوْنَ» (5)

(1) نفس المرجع السابق.

(2) البخاري (1/ 163) .

(3) البخاري (4/ 78) .

(4) اكلفوا: كلف بكذا، أي: ولع به، كذا في مختار الصحاح.

(5) البخاري (4/ 206) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت