فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 244

ليس فيه لبس ولا إبهام، يتحدد به هدفهم، وتتضح به وسائلهم - ذلك الشعار هو:"دعوة وتربية"، يربّون أنفسهم، ويدعون غيرهم، وبذلك تتحدد رسالتهم، فهم دعوة، وليسوا دولة، وهذا طريقهم حتى لا يتركون لمتربص منفذا، ولا لحاقد وسيلة للنيل منهم، أو تشويه مقصدهم. إن ما يصبو إليه كل داعية إلى الله أن يستعيد المسلمون شخصيتهم التي افتقدوها، هذه حقيقة، ومع بساطتها، فإنها تغيب عن كثير من المسلمين، ولكي تتضح لك، فإننا نسأل أنفسنا: كم عدد المسلمين الذين يتجمّعون الآن في بيوت الله في كل صلاة؟ بل كم عددهم في الجُمُع والأعياد؟ وكم عددهم يوم الحج الأكبر؟ فإذا سألت عن عدد من يتلفظ بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ لبلغ العدد الملايين.

ومعهذه الملايين التي تصلي وتزكي وتصوم وتحج ثم تنفض، يلحّ علينا سؤال: هل حدث تغيير وتحوّل في حياة المسلمين؟ بل هل أصبح لهم كيان يخشى بأسه، ويعمل له حساب؟ كأني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعنينا حين قال ما معناه: «يُوشِكُ أَنْ تَتَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» قُلْنَا: أوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ كَغُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ أَعْدَائِكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» . قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» (1) .

لقد حدّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معالم الشخصية الغثائية التي تنتمي إلى الإسلام في هذا الزمان الذي أشار إليه - صلوات الله وسلامه عليه -، إنها شخصية أحبتْ الدنيا، وكرهت الموت، نعم، أحبتْ الدنيا، وتعلّقت بها، وخدعتها، وغرّتها، وزُيِّن لها: {حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران: 14] ، فكرهت الموت، لأنها عمرت دنياها وخربت آخرتها، فكرهت أن تنتقل من العمار إلى الخراب الذي ينتظرها: {فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] .

ثم تسأل نفسك سؤالا ليكتمل الأمر وضوحا لديك: كم كان عدد المسلمين في دار الأرقم بن الأرقم؟ وكم كان عددهم يوم أن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وَاللهِ يَا عَمُّ، لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِيْ يَمِيْنِيْ، والْقَمَرَ فِيْ يَسَارِي، عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ، مَا تَرَكْتُهُ، حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ، أَوْ أَهْلِكَ دُوْنَهُ؟» (2) ، بل كم عددهم يوم بدر؟ ويوم الفتح؟ ويوم أن دانت لهم بلاد الأكاسر والقياصر؟

ثم تسأل: لِمَ عَزَّ هؤلاء مع قلّتهم؟ وذلّ هؤلاء مع كثرتهم؟ إن السرّ في ذلك هو في هذه الشخصية القرآنية الربانية التي حققها فيهم رسولنا - صلى الله عليه وسلم - والتي صنع بها جيلا فريدا، عاش في جاهلية ظالمة مظلمة، تشرب الخمر، وتلعب الميسر، وتأكل الربا، وتئد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت