فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 244

البنات، وتعبد الصنم، وتظلم وتزني، إذا سرق الغني فيهم تركوه، وإذا سرق الفقير قطعوه، يسجدون لقيصر وكسرى، فإذا بهم بالإسلام أعزّة، يقومون الليل إلا قليلا، نصفه أو ينقصون منه قليلا، أو يزيدون عليه، ينفقون بأيمانهم ما لا تعلمه شمالهم، فهم في صلاتهم خاشعون، وعن اللغو معرضون، وللزكاة فاعلون، ولفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين، وهم لأماناتهم وعهدهم راعون، يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، تائبون، عابدون، حامدون، سائحون، راكعون، ساجدون، آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر، حافظون لحدود الله.

إذا قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم زادهم إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وإذا رأوا الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما، فهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

هذه هي الشخصية التي افتقدناها، والتي عرفت ربّها، وتحلّت بأخلاق نبيّها، وتربّت على قيام الليل في مكة، وصقلتها الشدائد والمحن، فكان إذا حزبهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وكانوا يقولون: أرحنا بها يا بلال، فكفّوا أيديهم، وأقاموا الصلاة، فاستمدوا قوتهم من الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوّا أحد، وَعُوا قول ربّهم لنبيّهم - صلى الله عليه وسلم: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا. إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا. وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا. سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 73 - 77] .

وكأني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: فماذا أصنع يا رب مع هذا البلاء الشديد وهذا الكرب العظيم؟ ماذا أصنع يا رب إذا أظلمت الليالي، واشتد الإيذاء، وأنا الضعيف إليك، أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس؟ ماذا أصنع؟

فكانت الإجابة من الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 78 - 79] .

نعم، إنها حسن الصلة بالله أولا وقبل كل شيء، فـ {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 17 - 19] ، وتحققت فيهم الشخصية الأخلاقية الربانية، وبهذه التربية، وهذه الوسائل الربانية، والتي اتسع نطاقها، فكان المسجد في المدينة المنوّرة يخرّج رجالا: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت