فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 244

ومما علّمه الله لموسى أن تكون دعوته لفرعون بهذه الصيغة اللينة الرقيقة: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى. وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: 18 - 19] . ومن اطلع على حوار موسى مع فرعون في القرآن الكريم يجده قد وعى وصيّة الله له، ونفّذها بكل دقّة، برغم تجبّر فرعون واستعلائه وتهجّمه واتهامه وتهديده. كما يتبيّن ذلك من سورة الشعراء.

ومن درس سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنّته في هذا الجانب، نرى في هديه الرفقَ الذي يرفض العنف، والرحمة التي تنافي القسوة، واللين الذي يأبى الفظاظة، كيف لا وقد وصفه الله بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، وصور علاقته بأصحابه في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .

إن الكلمة الطيبة - في نظر الإسلام - كائن حيّ مؤثّر، ولذلك كان حَرِيًّا بنا كثرة التنبيه إلى أهميّتها والتنويه بها؛ لأنها الكلمة التي بها تفتح القلوب للتلقي، والآذان للسماع، والجوارح للعمل بها، ولن تكون كذلك إلا إذا كنت رفيقا، وأنت تقولها: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .

إنه ليس المهم توصيل الحقيقة إلى الناس فقط، ولكن الأهم هو الأسلوب والطريقة التي تصل بها، فإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» لكي يتشوّق إليه السامع، وينجذب إليه فيؤثر فيه. فما بالك بكلام البشر كلام الداعية، ألا يحتاج إلى أن يزيّن ويزين؟ {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] .

إن النصح علاج مرّ، فليصحبْه شيء من حلو الكلام، فكن من الذين يعملون الحق، ويرحمون الخلق، واسمع إلى يحيى بن معاذ يقول:"أحسن شيء كلام رقيق، يستخرج من بحر عميق، على لسان رجل رفيق" (1) .

إن الرفق هو القنظرة التي بين الداعية والمدعو، فإن أحكمت وضعها، وصل للمدعو ما تريد وترغب، فلا تتعجّل عرض الدعوة على الناس قبل أن تضع قنظرتك وتثبتها باللين، وتزينها بالرفق حتى مع أعدى أعداء الدعوة، واسمع - إن شئت - إلى هذا الموقف بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين عائشة - رضوان الله عليها -. فقد كان اليهود يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: السامّ عليكم، بدلا من السلام عليكم - والسام الموت - وهو ما أرادوه بقولهم، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم: «وَعَلَيْكُمْ» لا يزيد عليها، فسمعتْهم عائشة يوما فقالت:

(1) المنطلق، لمحمد الراشد، ص 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت