فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 244

وأنت إن تأملت قول الله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وجدْتَ أنها لا تكفي بالأمر بالجدل بالطريقة الحسنة، بل أمرتْ بالتي هي أحسن، فإذا كان هناك طريقتان للحوار والمناقشة؛ إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها، وجب على المسلم أن يجادل بالتي هي أحسن، جذبًا للقلوب النافرة، وتقريبا للأنفس المتباعدة.

وفي آية أخرى يقول ربّنا الرحيم: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 53 - 54] . فإرجاع الأمر لمشيئة الله تعالى في رحمتهم أو عذابهم هو لون من قول: {الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . ومن التي هي أحسن ذكر مواضع الاتفاق بين المتجادلين، والانطلاق منها إلى مواضع الخلاف، عسى أن يتفق عليها كما في قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] .

أما مواضع الاختلاف، فالحكم فيها إلى الله يوم القيامة: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج: 68 - 69] . فإذا كان هذا هو أسلوب جدال المسلم لغير المسلم، فكيف يكون جدال المسلم للمسلم وقد أظلّتهما وحدة العقيدة والأخوّة في الدين؟!! ...

إن بعض الإخوة يخلطون بين الصراحة في الحق والخشونة في الأسلوب، مع أنه لا تلازم بينهما، والداعية الحكيم هو الذي يوصل الدعوة إلى غيره بألين الطرق وأرقّ العبارات، دون أدنى تفريط في المضمون.

والواقع المُشاهد يعلمنا: أن الأسلوب الخشن يضيّع المضمون الحسن، ولهذا، ورد في الأثر: «مَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوْفٍ فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوْفِ» . واستمع إلى الإمام الغزالي في كتاب"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"من"الإحياء"يقول:"لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه". ومما ذكره - رحمة الله عليه:"أن رجلا دخل على المأمون الخليفة العباسي، يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، فأغلظ له في القول، وقسا في التعبير، ولم يُرِاعِ أن لكل مقامٍ مقالًا يناسبه، وكان المأمون ذا فقه، فقال له: يا هذا، ارفق، فإن الله بعث مَن هو خير منك إلى مَن هو شر مني، بعث موسى وهارون - عليهما السلام - إلى فرعون، وأوصاهما بقوله: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43 - 44] . وبهذا، حاجّ المأمون ذلك الرجل وخصمه، فلم يجد جوابا (1) ."

(1) رسالة صحوة الشباب الإسلامي؛ ظاهرة صحّيّة يجب ترشيدها لا مقاومتها، للدكتور يوسف القرضاوي، ص 23 - 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت