فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 244

ثانيا: التأليف قبل التعريف

رسالة الإسلام رسالة رحمة، فمن حملها وآمن بها، كان رحيما بالناس جميعا، لاقتدائه برسالة رسوله الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 197] .

ذلك لأن النفوس جُبلتْ على حبّ مَن أحسن إليها، وبغض مَن أساء إليها، والداعي الحكيم وفّقه الله إلى أقفال القلوب فَفَتَحها بِرفقِه، وتعامل معها برحمته، واستحضر مشاعر الحبّ في مخاطبته إياها، حينئذٍ تلين القلوب القاسية، وتستقيم الجوارح العاصية، فما كان من القلب وصل إلى القلب، وما كان من اللسان لا يتجاوز الآذان.

فإن كنتَ خبيرًا بنفوس البشر، فاعلم أنها تألف الاعوجاج والتمرد، خاصة إذا طال على صاحبها الأمد، فيقسو القلب، وتعدد السبل، وحينئذٍ، إن باشرتها بالإصلاح، فإن ذلك يعتبر مصادمة لها، فكان لزاما عليك أن تتلطف في المعاملة، وتعرف مداخل النفوس، لأنك لا تتعامل مع أحجار صلدة، ولا مع ملائكة بررة، أنت تتعامل مع نفوس إنسانية، فيها الإقبال والإحجام، فيها الخير وفيها الشر: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 8] ، {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ... } [آل عمران: 14] ، فإن لم تعرف المداخل والأبواب التي تدخل منها إلى النفوس، فإن الفشل سيصيبك حتما لا محالة، لأنك اصطدمت بالسنة، وسنة الله لا تجد لها تبديلا ولا تجد لها تحويلا، وإذا غالطت نفسك، وتجاهلت هذه الغرائز والنزعات، فلن يضير وجودها شيء وأنت المضار.

إن الشهوات خلقت وستبقى، فلا تتعجّل الطريق، بل تلطّف وتحايَلْ مرة، بل مرات إلى أن تعرف كيف تدخل إلى الناس، ولا يشغلك أن تعرى المدعو أو تظهر أخطاؤه.

«إِنَّكَ إِنْ تَتَبَّعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ، أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ تُفْسِدُهُمْ» ، ولكنك تريد الإصلاح ما استطعتَ، وما توفيقك إلا بالله.

لقد قامت الدعوة إلى الله على أساس الحكمة، والحكمة هي مقتضى الحال. ورضوان الله عليك يا عليّ، يا ابن أبي طالب، حين قلتَ: «إِنَّ لِلْقُلُوْبِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوْهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِنْ أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا عَلَى الْفَرَائِضِ» .. أيّ فقهٍ هذا؟!! .. إنه فقه مدرسة محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أدّبه ربُّه فأحسن تأديبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت