فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 244

وامتلأت بزبانية الأثرة والإلحاد" (1) ."

وأخيرا، أحب أن ألفت النظر إلى أمر هام، وهو أن بعض المسلمين يسيئون معنى النصر، فإذا طال على الداعي الأمد مثلا، ولم يستجب له أحد بالرغم من التزامه بمنهج الدعوة السديد، وتمرّ عليه السنون وهو يدعو الناس لدين الله، ولا يتحقق له نصر في عمره المحدود، حكموا على الدعوة بالفشل، وعلى الداعي بالعجز.

ولهؤلاء ضر الله المثل بقصة نوح - عليه السلام - الذي عاش بين قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع طول هذه المدة، لم يؤمن معه إلا قليل من هؤلاء الذين طغوا وبغوا وعصوا ربهم، ولم يتركوا محارمه، ولم يجتنبوا مآثمه. ومع هذا العناد والجحود من قومه، فإنه استمر في دعوته ليلا ونهارا، ما ترك وسيلة من وسائل الدعوة إلا سلكها سرا وجهرا، وقومه لم يكتفوا بالإعراض عنه، بل أتبعوه بالسخرية والاتهام وهو يتلقى كل ذلك بالصبر والحسنى والأدب الجميل والبيان المنير.

ألف سنة إلا خمسين عاما، هذا حاله، بينما عدد المستجيبين له لا يكاد يزيد، ودرجة الإعراض والإصرار على الضلال ترتفع وتزداد، وهو يزداد إصرارا واستمرارا في دعوته، لا يملّ ولا يفتر، ولا ييأس أمام هذا الإعراض والإصرار الذي وصل بهم إلى أن يكرهوا سماع صوته ورؤية وجهه: وَ {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 7] ، وهي صورة تبيّن إصرار الداعي على دعوته، وتحيُّن كل فرصة ليبلغهم إياها، بالرغم من إصرارهم على الضلال.

وبعد هذا الجهاد الطويل، وهذا العناء المرير، ماذا كانت النتيجة؟ يقول لنا نوح - عليه السلام: {رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا. وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا. وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [نوح: 21 - 24] .

هذه التجربة المريرة تعرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي انتهت إليه أمانة دعوة الله في الأرض، كلها في آخر الزمان، ليرى فيها صورة الكفاح النبيل الطويل لأخ له من قبل، لإقرار حقيقة الإيمان في الأرض، ويطلع منها على عناد البشرية أمام دعوة الحق وفساد القيادة الضالة، وغلبتها على القيادة الراشدة، كما تعرض على الجماعة المسلمة في مكة، وعلى الأمة المسلمة بعامة، ترى فيها صورة الكفاح والإصرار والثبات هذا المدى الطويل من أبي البشرية الثاني، كما ترى فيها عناية الله بالقلة المؤمنة (2) .

(1) دراسة في الدعوة والدعاة للشيخ محمد الغزالي، ص 9.

(2) الظلال (6/ 3709) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت