فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 244

قيدٍ، وأن أشواق الفطرة تلبّي دون حرج، وأن الصيحة الوحيدة التي يصحو عليها النائم ليصلي، ويصغي إليها المرهق قبل أن يدلف إلى فراشه ليرقد هي الله أكبر فجرا وعشاء (1) .

نقول هذا لنبيّن للناس ما ندعو إليه؛ لأن من الناس من لا يرى الإسلام شيئا غير حدود العبادة الظاهرة، فإنْ أدّاها أو رأى مَن يؤدّيها اطْمَأَنّ إلى ذلك ورضي به وحسب أنه قد وصل إلى لب الإسلام، وذلك هو المعنى الشائع عند عامة المسلمين، ومن الناس من لا يرى الإسلام إلا بالخلق الفاضل والروحانية الفياضة، والغذاء الفلسفي الشهيّ للعقل والروح، والبعد بها عن أدران المادة الطاغية الظالمة؛ ومنهم من يقف بإسلامه عند حدّ الإعجاب بهذه المعاني الحيوية العلمية في الإسلام، فلا يتطلب النظر إلى غيرها، ولا يعجبه التفكير في سواها، ومنهم من يرى الإسلام نوعا من العقائد الموروثة، والأعمال التقليدية التي لا غناء فيها ولا تقدم معها، فهو متبرّم بالإسلام، وبكل ما يتصل بالإسلام، وتجد هذا المعنى واضحا في نفوس كثير من الذين ثقفوا ثقافة أجنبية، ولم تُتَحْ لهم فرص حسن الاتصال بالحقائق الإسلامية، فهم لم يعرفوا عن الإسلام شيئا أصلا، أو عرفوه صورة مشوّهة بمخالطة من لم يحسنوا تمثيله من المسلمين.

أما فهمنا نحن لدعوتنا التي ندعو الناس إليها، فهي أن الإسلام ينتظم الحياة جميعا، ويفتي في كل شأن من شؤوننا، ويضع لها نظاما محكما دقيقا، ولا يقف مكتوف الأيدي أمام المشكلات الحيوية، والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس، فهو ليس مقصورا على ضروب من العبادات، أو أوضاع من الروحانيات كما فهمه بعض الناس، لكننا نفهمه على أنه ينتظم شؤون الدنيا والآخرة، فمهمتنا إذن سيادة الدنيا وإرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس.

وإن أردتَ زيادة بيان عن أي شيء ندعو الناس؟ فما عليك إلا أن تنظر إلى حالة العرب قبل الإسلام وبعده، لترى كيف كانوا فقراء إلا في رحلة الشتاء والصيف، فأصبح إمامهم يخاطب السحابة ويقول لها:"أمطري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خراجك"!!، وكيف كانوا يتقاتلون من أجل ناقة، وقسمتهم الحروب ألف حزب بما لديهم فرحون، فصنع منهم الإسلام خير أمة أخرجت للناس، دولتها مترامية الأطراف، تمتدّ من أواسط آسيا شرقا، إلى شاطئ المحيط الأطلسي غربا، تجمعهم عقيدة واحدة، ويحكمهم كتاب واحد، فوطدوا

(1) مشكلاتٌ في طريق الدعوة للشيخ محمد الغزالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت