فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 244

حزبية ورحت أطالع وأنا في السجن كل ما قاله فقهاء المسلمين عن حدود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومدى حق المسلم العادي في التغيير باليد، فإذا بي أفاجأ بإجماع الفقهاء الأربعة على أن تغيير المنكر باليد هو من حق ولي الأمر وحده، وليس للأفراد تغيير المنكر باليد وذهلت لهذا الاتفاق وعبثا حاولت أن أجد مخرجا من المأزق الذي وجدت نفسي فيه، إذ رحت أتحدث باسم الدين، وها هو حكم الدين على عكس ما كنت أتصور، وأشهد أنني اقتنعت بذلك إلى الحد الذي جعلني أكره العنف بقية حياتي، بل وأحذر الشباب مما وقعت فيه، وهكذا كان فقه البنا - رضوان الله عليه - فهل يفقه الشباب المخلص الغيور على دينه (1) المتحمس على غير فقه أن تفجير حانات الخمر أو محلات الفيديو أو المراقص أو المسارح ليس هو الطريق إلى إقامة دولة الإسلام، ولذلك، فإن الإسلام اعتبر أن منهج الحركة منهج قويم يحتاج إلى الصبر الجميل والنفس الطويل.

إن المولى - سبحانه وتعالى - أمرنا بالبر بالذين لم يحاربونا لأجل الدين، ولم يخرجونا من أوطاننا أن نبرّهم ونحسن إليهم فقال: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8 - 9] .

روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قدمت أمي - وهي مشركة - في عهد قريش حين عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعني: في صلح الحديبية - فأتيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت راغبة أفأصلها؟ قال: «نَعَمْ، صِلِيْ أُمَّكِ» (2) ، فأنزل الله: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ ... الآية} .

فأنت تلاحظ أن البر حركة جارحة وليست حركة قلبية، فنحن نبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم، فالبر والقسط يتصلان بعمل الجوارح دون أن يتغير القلب ويتأثر، لأننا لا نحب إلا لله، ولا نكره إلا لله، فلا يتحرك القلب حركته حبا أو بغضا إلا لله - سبحانه وتعالى - ولذلك، فإن البر والقسط لا يتصلان بالاعتقاد، إنما يتصلان بحركات الجوارح: «وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .

أما المودة فهي حركة تتصل بالقلب في المقام الأول، وحركة القلب تتصل بالاعتقاد

(1) مجلة الأزهر، جـ 4، السنة الخمسون، شعبان 1398 هـ من مقال للأستاذ أحمد حسين.

(2) صفوة التفاسير (3/ 364) ، سورة الممتحنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت