صبره لله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 7] ، {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الطور: 48] ، فإذا تحقق ذلك، حصلت على ثناء الله لك، وكنت ممن أثنى الله عليهم: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ... } [الرعد: 22] ، فهو - سبحانه - لم يمدحْهم لمجرّد صبرهم، بل لابتغاء وجه ربهم.
وقد أقسم المولى - سبحانه وتعالى: {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] ، فحكم المولى - سبحانه وتعالى - على جميع الناس بالخسار، إلا من أتى بهذه الأمور الأربعة:
1 -الإيمان بالله.
2 -والعمل الصالح.
3 -التواصي بالحق.
4 -التواصي بالصبر.
"لأن نجاة الإنسان لا تكون إلا إذا أكمل الإنسان نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمّل غيره بالنصح والإرشاد، فيكون قد جمع بين حق الله، وحق العباد".
"والتواصي بالصبر ضرورة، لأن القيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة، ولا بد من الصبر على جهاد النفس، وجهاد الغير، والصبر على الأذى والمشقة، والصبر على تبجّح الباطل، والصبر على طول الطريق وبطء المراحل، وانطماس المعالم وبعد النهاية" (1) .
فالداعي إلى الله في أمسّ الحاجة إلى الخلق الكريم، إذ أن نظام الكون اقتضى أن يكون لأصحاب الدعوات أعداء يمكرون بهم ويكيدون لهم ويتربّصون بهم الدوائر، ولذلك كان لآدم إبليس، ولإبراهيم نمروذ، ولموسى فرعون، ولمحمد - صلى الله عليه وسلم - أبو جهل.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ... } [الفرقان: 31] ، فما أحوج الداعي إلى الصبر على هذا البلاء: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34] .
ولذلك لم يأمر ربُّنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بأسلافه من الرسل في خلق معيّن، إلا في خلق الصبر، تنبيها لعظمة منزلته والحاجة إليه فقال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] ، كما نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتشبّه بصاحب الحوت، حيث لم يصبر صبر أولي العزم، وامتلأ غيظا وغضبا وحزنا من قومه، ولم يصبر عليهم فقال: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ
(1) الظلال، سورة العصر (6/ 3968) .